البعض يتعامل مع ما تبثه مواقع التواصل الاجتماعي كحقائق ثابتة، ومصدر للمعلومات الموثقة الأكيدة. والحقيقة أن طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي، على اختلافها، تشبه إلى حد ما مجموعة من أبناء الحارة، يجتمعون على دكة أو مكان ما في حيهم السكني. أو لنكن أكثر تحديداً كأنهم مجموعة من الناس الجالسين على قارعة طريق، وأحدهم يتحدث بصوت مرتفع، فيتوقف المارة للاستماع والمشاهدة، البعض منهم تستهويهم الكلمات التي يسمعونها فيعبرون بالتصفيق أو بالإشادة، البعض الآخر يتوقفون للحظات ثم يغادرون المكان.
مواقع التواصل الاجتماعي تشبه هذه الحالة، أحدهم يطرح موضوعاً ما، هناك من يعجبه هذا الطرح فيضع «إعجاب»، وهناك من يصرخ بالإشادة فيكتب تعليق مديح. وكلا المثالين، سواء في العالم الواقعي لمن يتحدث على قارعة الطريق أو بين أبناء الحي، أو ذلك الذي يتحدث في العالم الافتراضي، متورط في حالة عدم التخصص، وعدم الإلمام بالموضوع، وكلاهما غير معني لا من قريب ولا من بعيد، وقد يطرحان مواضيع مضللة أو يتبنيان معلومات غير صحيحة، وكلا الاثنين يفلت من المحاسبة والعقاب.
من يصدر الشائعات، ومن يتصدى لمواضيع غير معني بها، نماذج كانت متواجدة في مختلف المجتمعات. وفي عصر التقنيات الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي، حدث تطور واسع، حيث سمحت هذه التقنية لكل من هب ودب بالحديث، والأخطر أنها مكنت المضللين من إخفاء هوياتهم الحقيقية. مواقع التواصل الاجتماعي ليست مصدراً للمعلومات والحقائق، هي «سوالف» أناس يجلسون في مجلس، سرعان ما يغادرونه، دون أي تأنيب ضمير لمعلومة خاطئة قالوها. والحقيقة، كان كثير من مجالسنا مجالس خير وكرم، وقد لا تكون المقارنة مع واقع حسابات التواصل الاجتماعي مقارنة دقيقة، لكن تبقى حالة الحديث المنفلت وغير المضبوط ممارسة بشرية ضاربة العمق في تاريخ الإنسان، وفي عصرنا شهدت هذه الحالة تحديثاً وثقة أكبر.
لذا، لا تحمّل مواقع التواصل الاجتماعي أكبر مما تحتمل، وتأكد أن معظم ما تشاهده وتقرؤه مجرد تخيلات بعيدة عن الواقع، إذا لم تكن هناك نية فعلية في التضليل والكذب. ولا تنسَ أن الذكاء الاصطناعي مكّن هذه الفئة المضللة من مهارة الكذب بتزييف مقاطع مرئية وصور، بعيدة عن الواقع.
لنضع مواقع التواصل الاجتماعي في سياق اللغو والإفك، إلا من رحم الله.
