في مساء الخميس الماضي، كان لدي اجتماع عمل مع مجموعة من رجال الأعمال في إمارة الشارقة عند الساعة السادسة مساءً، خرجت من أبوظبي قرابة الرابعة عصراً، بتقدير منطقي يفترض أن يكون الوقت كافياً للوصول قبل الموعد، كما اعتدنا لسنوات طويلة، لكن ما حدث لم يكن ازدحام يوم عمل عادي، ولا ساعة ذروة معتادة، بل تجربة مختلفة تماماً عما عرفناه في الماضي.
منذ الدقائق الأولى على طريق أبوظبي دبي، كانت الحركة بطيئة جداً، والتوقف مفاجئاً أحياناً والسرعة أقل من المحددة، وأحياناً لا تتجاوز 80 كيلومتراً في الساعة، ومع تجاوز منطقة سيح شعيب، لم يتحسن الوضع، بل ازداد سوءاً، كيلومتراً بعد كيلومتر، زحف طويل، توقف متكرر، وغياب أي مؤشرات لانفراج قريب في حركة السير، لم أصل إلى الشارقة إلا عند الساعة 8:45 مساءً، أي بعد أكثر من أربع ساعات لرحلة كانت في السابق لا تتجاوز ساعة ونصف.
في تلك اللحظات، تذكرت مقطع فيديو كان متداولاً، قال فيه صاحبه لقد أنزلت أخي في المطار مسافراً إلى بلده، هو وصل، وأنا ما زلت عالقاً في الزحام ولم أصل إلى منزلي، عبارة بسيطة، لكنها موجعة في دقتها، لأنها تعبر عن واقع يعيشه اليوم الآف الناس يومياً، موظفين، رجال أعمال، أُسَر، وطلبة.
لسنوات، كنا نُرجع الازدحام إلى ساعات الذروة وننتظر أن تنتهي، أما اليوم، فالحقيقة المقلقة أن الذروة لم تعد ساعة أو ساعتين، بل أصبحت تمتد في معظم ساعات اليوم، الازدحام لم يعد استثناءً، بل أصبح هو القاعدة، وهذا التحول بحد ذاته يستدعي وقفة جادة، لأنه يؤكد أننا أمام اختناقٍ مستمر، لا ازدحامٍ عابر تعالجه الحلول التقليدية.
كثيرون تحدثوا وكتبوا عن هذا الموضوع، لكن الواقع على الطرق يقول إن المشكلة لا تتحسن بل تتفاقم، وإذا استمر الوضع بهذه الوتيرة، فليس من المبالغة القول إن رحلة مثل رحلتي قد تستغرق بعد عام وقتاً أطول بكثير، مع ما يحمله ذلك من استنزاف للوقت والأعصاب والطاقة.
وسبب كل هذا واضح ومباشر، وهو الزيادة الكبيرة في أعداد المركبات، والزيادة في إصدار رخص القيادة بوتيرة أسرع من قدرة الطرق على الاستيعاب. مشاريع الطرق والجسور ضرورية بلا شك، لكنها حلول مؤقتة، توسعة طريق تخفف الازدحام لفترة، ثم تمتلئ المسارات الجديدة وتعود الاختناقات.
وفي النهاية هذه دعوة برجاء للجهات المختصة لإعادة النظر في هذا الملف، لأن الحل اليوم ليس في شق طرق جديدة، بل النظر في إصدار رخص القيادة؛ فلتكن لأصحاب المهن المهمة على الأقل في الوقت الحالي، فالازدحام لم يعد إزعاجاً عابراً، بل تحدياً يمس جودة الحياة والإنتاجية واحترام وقت الإنسان.

[email protected]