تخيل أنك تسير في شارع مزدحم، وفجأة سقط شخص أمامك مغشياً عليه. للوهلة الأولى، قد تظن أن عشرات الناس سيهرعون لمساعدته فوراً، لكن الحقيقة الصادمة هي أنه كلما زاد عدد المحيطين بالموقف قلت احتمالية أن يتحرك أي شخص للمساعدة. الجميع ينظرون إلى الجميع، وكل شخص ينتظر أن يبادر «شخص آخر» بالخطوة الأولى. هذا الجمود النفسي يسمى في علم النفس بتأثير المتفرج أو «لامبالاة المتفرج».
وهو نتيجة لشعور أعمق بداخلنا عن توزع المسؤولية على الموجودين في مكان ما. أشهر دراسة وثّقت هذا السلوك البشري المحير أجراها الباحثان جون دارلي وبيب لاتاني عام 1968، بعد حادثة مشهورة في نيويورك قتل فيها شخص أمام أعين الجيران دون أن يتحرك أحد.
في الدراسة أحضر الباحثان طلاباً من جامعة نيويورك، ووضعا كل واحد منهم في غرفة منفصلة، وأخبراهم بأنهم سيشاركون في نقاش جماعي عبر جهاز اتصال صوتي لضمان الخصوصية. كان المشارك يعتقد أنه يتحدث مع طلاب آخرين في غرف أخرى، لكن في الحقيقة كانت الأصوات الأخرى مجرد تسجيلات مجهزة لإجراء هذه الدراسة. في منتصف النقاش بدأ أحد «الطلاب»، وهو تسجيل صوتي، يمر بنوبة صرع مفاجئة، ويصرخ: «أنا أموت... هل يمكن لأحد أن يساعدني؟»
النتائج كانت درساً قاسياً عن طبيعتنا البشرية، عندما اعتقد المشاركون أنهم وحدهم، سارع 85% منهم لطلب المساعدة فوراً. عندما اعتقدوا أن هناك شخصاً آخر، انخفضت النسبة إلى 62%.
أما عندما اعتقدوا أنهم في مجموعة كبيرة تتكون من 5 أشخاص، فقد تحرك 31% فقط! يذكر الباحثان هذه النتيجة الجوهرية في دراستهما، موضحين أن وجود الآخرين يضعف الشعور بالواجب: «أدى وجود متفرجين آخرين إلى تقليل شعور الفرد بالمسؤولية الشخصية، وأبطأ من سرعة إبلاغه عن الحالة الطارئة». الدرس هنا يتجاوز مجرد المساعدة في الشوارع، إنه درس في القيادة والإدارة وأسلوب الحياة.
في مشاريعك أو عملك، عندما تلقي بمهمة للجميع دون تحديد أسماء، فأنت في الحقيقة تقتلها بأثر المتفرج، لأن كل فرد سينتظر الآخر لينجزها. القائد الحقيقي هو من يكسر هذا التوزع، ويأخذ زمام المبادرة وكأنه الشخص الوحيد المسؤول في الغرفة. والأمر ذاته ينطبق على ما يحدث حولنا في المجتمعات، حيث إن كل فرد يقف ويعتقد أنه ليس دوره أن يكون مصدر التغيير.. لا تنتظر الزحام لكي تتحرك، كن أنت القائد في الموقف وكن أنت الصوت الذي يتحدث عندما يصمت الجميع.
صرخة في الزحام
11 يناير 2026 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 يناير 00:07 2026
شارك