يظن البعض أن التغيير يحتاج إلى صدمة أو دفعة قوية، لكن الحكمة والواقع، وحتى التجربة، تخبرك أن القلوب والعقول تخاف من الأمور المفاجئة والعنيفة، ومن الأفضل أن تتعامل معها بالتدريج والسلاسة.
هذا ما يسمى في علم النفس الاجتماعي تقنية «القدم في الباب»، وهي أسلوب شهير يعتمد على مبدأ بسيط ومذهل، وفي بعض الأحيان يستخدم حتى بالتسويق، المبدأ يقول إنه إذا استطعت إقناع شخص ما بالموافقة على طلب صغير جداً ولا يكاد يذكر، فإن احتمالية موافقته على طلب كبير ولاحق تزداد بشكل دراماتيكي. السبب هو أننا كبشر لدينا نزعة فطرية للاتساق مع الذات، فبمجرد أن نتخذ خطوة صغيرة في اتجاه ما، يبدأ عقلنا بإعادة تعريف هويتنا لنصبح الأشخاص الذين يفعلون هذا الشيء، ومن ثم نجد صعوبة في التراجع عن الخطوات الأكبر.
أشهر دراسة أثبتت قوة هذه الخطوة الصغيرة أجراها الباحثان جوناثان فريدمان، وسكوت فريزر، عام 1966 في جامعة ستانفورد.
طرق الباحثان أبواب مئات العائلات في كاليفورنيا وطلبا طلباً غريباً وصعباً، قالا: «هل تسمحون لنا بوضع لوحة إعلانية ضخمة وقبيحة في حديقة منزلكم الأمامية مكتوباً عليها قُد بحذر؟». كانت اللوحة كبيرة لدرجة أنها ستحجب رؤية واجهة المنزل تماماً. بشكل غير مفاجئ طبعاً رفض 83% من الناس هذا الطلب المزعج، لكن التجربة الحقيقية كانت مع مجموعة أخرى من السكان. قبل أسبوعين من الطلب الكبير، مر عليهم باحث آخر وطلب منهم طلباً تافهاً: «هل تضعون ملصقاً صغيراً جداً (حجمه 8 سم) على نافذة منزلكم يدعو للقيادة الآمنة؟».
وافق الجميع تقريباً لأنه طلب بسيط ولا يضر. بعد أسبوعين، عاد الباحثان لنفس هؤلاء الأشخاص وطلبا منهم وضع اللوحة الضخمة والقبيحة التي تحجب المنزل. النتيجة كانت صاعقة: 76% من هؤلاء الأشخاص وافقوا على تشويه منظر منزلهم باللوحة الضخمة! لماذا؟ لأنهم بوضعهم الملصق الصغير قبل أسبوعين غيروا نظرتهم لأنفسهم، لم يعودوا مجرد سكان عاديين، بل أصبحوا «مواطنين مهتمين بسلامة المجتمع». ولكي يحافظوا على هذه الصورة الجديدة أمام أنفسهم، لم يجدوا سوى الموافقة على الطلب الكبير.
يذكر فريدمان وفريزر هذه النتيجة في دراستهما، موضحين أن الفعل الصغير يغير قناعة الشخص الداخلية: «بمجرد أن يوافق الشخص على طلب ما، يتغير موقفه. قد يصبح في نظره الشخص الذي يفعل هذا النوع من الأشياء.. الشخص الذي يوافق على طلبات الغرباء».
الدرس هنا هو سر النجاح في القيادة والحياة. إذا أردت تغيير عادة سيئة، لا تحاول اقتلاعها من جذورها في يوم واحد، بل ابدأ بملصق صغير، دقيقتين من الرياضة، أو قراءة صفحة واحدة. وإذا أردت إقناع فريقك بمشروع ضخم، ابدأ بطلب تعاون بسيط يبني في نفوسهم شعور المشارك. رحلة الألف ميل لا تبدأ بخطوة فحسب، بل تبدأ بخطوة تجعلك تؤمن بأنك قادر على إكمال الرحلة والانتماء لها.