المشهد السينمائي في كراكاس وما هو مألوف وغير ذلك

00:19 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. أمينة أبو شهاب

تبدو هذه فترة لإطلاق العنان للنزوع العنيف وغير المكبوت لاستعمار الشعوب والبلدان، وللممارسة الإمبريالية المتغطرسة التي تعيد تشكيل العالم وخرائطه بالقوة. إسرائيل تتوسع وتضرب هنا وهناك وتعيد احتلال الضفة بمنطق مختلف، هو منطق القوة العسكرية التي تدوس بعجلات دباباتها كل قانون أو اتفاق دولي، ومع ذلك هي تنجو من المساءلة الفعلية. ولا شك أن نتنياهو الذي أعلن نفسه إمبريالياً وتصرف بهذه الصفة قد سهل صلاحية المنطق الإمبريالي لهذه الفترة الحرجة تاريخياً بعد ما حدث لغزة وما تلا ذلك من اعتداءات على دول أخرى في المنطقة.
وهو قد جسد جاذبية هذا النموذج الاستعماري لفئة رأى العالم كيف برقت أعينها واتسعت جشعاً بأرض غزة وبحرها وثرواتها غير المعلن عنها. حرب غزة كانت افتتاحاً دموياً لمرحلة لم يكن الكل جاهزين لها حتى صحوا على الهجوم على كراكاس ومشهد اقتياد نيكولاس مادورو إلى سجن نيويوركي موصوف بالقذارة. أما الصدمة الأكبر فكانت الإعلان من دون مواربة عن وضع اليد على البترول الفنزويلي والنية في إدارة البلد آو حكمه.
ولأجل الموضوعية يجب القول إنه مع الصدمة، هنالك ما هو مألوف تماماً في النبرة والمحتوى: كان هنالك المشهد السينمائي نفسه في العراق عن رأس الدولة مكبلاً وفي هيئة مهينة، ثم المحاكمة بواسطة محكمة المحتل. وكان هنالك تغيير للنظام وإدارة استعمارية للبلد وثرواته وعلى رأسها البترول. ولا يجب نسيان «الثروة البشرية» وكيف هندس المحتل لتغيير عقولها وتوجهاتها وقيمها، كما تعلن إسرائيل اليوم أنها بصدد تغيير المناهج لأجيال غزة والقضاء على مكون «التطرف» في دمائهم. والشيء المشترك الآخر بين فنزويلا اليوم وعراق الأمس كسبب للهجوم (لمن أراد أن يرى) هو إسرائيل والمصلحة الإسرائيلية. ما أسرع ما نسيت الإدارة الأمريكية حرب العراق وجروح أمريكا المؤلمة منها، وهذا النسيان هو تاريخ أمريكي بامتياز بل ثقافة تستعاد بعد كل هزيمة. فجورج بوش بعد تسجيل انتصارات تكتيكية على العراق في تسعينيات القرن الماضي، قال بعد أن أخذته النشوة إن أمريكا قد شفيت من عقدة فيتنام مرة وإلى الأبد. فاز ترامب في الانتخابات على أساس وعد أنه ليس برجل حرب، وما إن تسلم الرئاسة حتى حول وزارة الدفاع إلى مسمى وزارة الحرب، وتوالت تهديداته لسلسلة من الدول بالهجوم عليها إن لم تخضع لأوامره ومطالبه. أما هجومه غير المسبوق على عاصمة دولة أمريكية لاتينية فيظهر على أنه إمعان في النسيان لخلاصات الحربين الكبيرتين الأخيرتين على أفغانستان والعراق.
وكما أن هنالك تشابهات في الهجوم العسكري على فنزويلا هنالك فروق كبرى وواضحة. إذ تذكر الحرب الحالية (وربما الحروب التالية المتوقعة على الدول التي تتعرض للتهديدات من ترامب) بالحروب الاستعمارية في القرنين الثامن والتاسع عشر وربما قبل ذلك. تلك الحروب كانت تسمى حروب البوارج المسلحة حيث «الحق» هو ما تفرضه «القوة»، قوة السلاح.
ولقد رأينا عودة لهذا النموذج في الحرب على غزة. إنها تلك الحروب الاستعمارية الهمجية السابقة على التشريعات والأنظمة الدولية التي أقرت بعد الحرب العالمية الثانية ومثلتها الأمم المتحدة. ذهب جورج بوش إلى مجلس الأمن قبل شن الحرب على العراق لطلب الموافقة عليها (مع أن تبريراته لها كانت مختلقة). أما الهجوم على كاراكاس فلم تكن له مقدمات من تبريرات قانونية دولية أو أخذ لميثاق الأمم المتحدة بالاعتبار. والأهم أنه داخلياً لم تتم مناقشة الحرب ولم تطرح أمام الكونغرس.
تقول «النيويورك تايمز» إن الهجوم على فنزويلا كان قراراً أحادياً وتم تجاهل القانون الدستوري وسيادته. هذا التحرك العسكري غير المسبوق أمريكياً منذ عقود يضع «الديمقراطية» الأمريكية وحقيقتها محل تساؤل، يقول العديد من المحللين الأمريكيين الذين لا تغيب عنهم حقيقة أن الديمقراطية في بلدهم تقتضي بطبيعة الحال احترام سيادة الدول وخيارات شعوبها. لكن هذه الآراء في الإعلام الأمريكي يظهر أنه لا يلتفت إليها خاصة أن طلائع شركات البترول الأمريكية الكبرى تأخذ طريقها إلى فنزويلا.
ومن النتائج كذلك في هذه الحقبة التي تتشكل حول مشروعية الاستفراد بالدول الأصغر والأضعف عسكرياً أن كثيراً من الدول سوف تشعر بعدم الأمان على سيادتها الوطنية وعلى ثرواتها، وسوف تتساءل هل هي التالية في الدور؟

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"