مفتاح شعيب
هناك تساؤلات كثيرة، تبدو مشروعة، حول نتائج اعتراف بعض القوى العالمية بالدولة الفلسطينية، العام الماضي. في وقتها أحدثت تلك المواقف دوياً هائلاً، وديناميكية غير مسبوقة للقضية، قبل أن يتراجع الزخم بشكل دراماتيكي ما إن أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن خطة وقف الحرب الإسرائيلية، التي لم تتوقف، على قطاع غزة المدمّر، والمحاصر، والمجّوع، وهي خطة مضى عليها أكثر من ثلاثة أشهر، ولم تبلغ المرحلتين الثانية والثالثة، الأشدّ تعقيداً، على جميع المستويات.
معظم الاعترافات بالدولة الفلسطينية، خصوصاً من بريطانيا وفرنسا وإسبانيا، ظلت إلى الآن حبراً على ورق، ومع مرور الوقت أفرغت من مضامينها، السياسية والقانونية، وكأن مبدأها ومنتهاها مجرّد ردّ فعل تكتيكي لردع إسرائيل عن جرائمها الشنيعة في غزة، وليس انتصاراً لقضية عادلة تدين العالم أجمع لتجاهلها على مدى ثمانية عقود. وما زال الوضع لم يتغير، بل ازداد سوءاً، لأن إسرائيل لم تتزحزح عن عدوانيتها، وما زالت ترفع ذات الأهداف، القضاء على «حماس»، ونزع السلاح، وتهجير السكان إن وجدت إلى ذلك سبيلاً. أما في الضفة الغربية والقدس، فتجري عملية اجتثاث مكتملة الأركان، تكشف عنها الخطط الاستعمارية والتصريحات العنصرية من وزراء حكومة بنيامين نتنياهو، وتنفذها آلة الاستيطان المتطرفة التي تلتهم المزيد من الأراضي، وتدمّر المخيمات، وتعيد تشريد اللاجئين. وعلى خط موازٍ، يتم قطع شرايين «الأونروا»، ومحاصرة الوكالات والمنظمات الدولية لوأد أيّ فرصة للإنقاذ، وإعادة ما ضاع من ممتلكات، ومنازل، ومزارع.
وبدلاً من أن تتحرك الدول، التي اعترفت بفلسطين قضية وشعباً ودولة، لوقف هذه التجاوزات والاعتداءات الجائرة، بدأ بعضها ينخرط في سياق مشبوه لترميم صورة إسرائيل الملطخة بدماء عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بل إن فرنسا سمحت لنتنياهو، وهو المطلوب إلى محكمة الجنايات الدولية، بعبور أجوائها في زيارته الأخيرة إلى ترامب، في فلوريدا، حيث يشتبه في أن خططاً كثيرة رسمت هناك لاستكمال استراتيجية الفوضى الإقليمية، وفتح مزيد من الأزمات لتحجب الأضواء عن القضية الفلسطينية.
«خطة السلام» في غزة تبعثرت أوراقها منذ انطلاقتها في أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، وظلت مرحلتها الثانية معلقة حتى العثور على رفات «آخر رهينة» إسرائيلي في مكان ما تحت أنقاض غزة. والإعلان عن «مجلس السلام» أجّله الهجوم الأمريكي المباغت على فنزويلا، واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو. وعلى افتراض اشتعلت أزمة مفاجئة، في غرينلاند، أو إيران، أو حتى في تايوان، سينشغل ترامب بذلك أسابيع، أو أشهراً، وعندها ستصبح محنة غزة قديمة، وتجاوزتها التطورات المتسارعة، ليترك مصيرها بيد نتنياهو ليجدّد الحرب، ويتنصل من كل ما تم الاتفاق عليه مع الإدارة الأمريكية، وتم الإعلان عنه في قمة شرم الشيخ، وصورها، وتوقيعاتها المبشرة بإنهاء الحرب وبدء السلام، من دون أن يحدث شيء من ذلك.. وقد لا يحدث مطلقاً.
واقع غزة جزء من مصير القضية الفلسطينية، التي يبدو أنها ستسقط مجدداً ضحية الأزمات المفتوحة، على طول العالم وعرضه، ولن يعدم أعداؤها الذريعة لتبرير التنصل من كل التفاهمات والوعود، ويعمدون إلى إشاعة الفوضى والذعر بذكاء خبيث، لتحقيق أهداف خفية ضمن مشهد يتسم بالضبابية والتعقيد، ويسمح بتمرير مخططات الهيمنة على الثروات، والتوسع على حساب الغير، وفي القلب من تلك المخططات تصفية القضية الفلسطينية.