من مفارقات العصر الراهن أن تشتعل فتائل حروبٍ تفتقر للغطاء القانوني، ويُقامر بالأمن الدولي بلا مسوغٍ أخلاقي، وتتشكل صراعات لا غاية لها سوى تلبية نزعاتٍ متطرفة استبدت بفردٍ أو حزبٍ أو أيديولوجيا، تربت كلها في مستنقعات من الجهل وأوهام العظمة والقوة التي تزين لها ارتكاب الخطيئة وتزيف لها معايير النصر والهزيمة.
ما يمر به العالم اليوم منذ ما بعد جائحة «كورونا» قبل ست سنوات، لا يمكن فهمه إلا من زاوية أن هناك انهياراً متسارعاً لكل ما يجمع التعايش الإنساني من قيم وضوابط وحدود، ويرسخ صورة معكوسة عن واقع يوهم بأنه منفتح ومتشابك، بينما الحقيقة أنه يزداد فرقة وتباعداً رغم ما يشاع عن ثورة رقمية وذكاء اصطناعي جعل كل طرف يعيش في «فقاعة معلوماتية» تغذي غروره بأنه الأقوى والأجدر بالسيطرة من الآخرين.
هذه العقد تتراكم من عام إلى آخر، ومن أزمة إلى أخرى وصولاً إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهي حرب ليست خارجة عن النسق، لكن ما تضمنته من إخلالات بالأمن الإقليمي جراء الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربية، يجعل من الأفق شديد الضبابية واللايقين، ويشوش النظر على تبين ملامح اليوم التالي لهذا الصراع المزدحم بالتناقضات والأكاذيب الممارسة بأكثر الأدوات خبثاً وانسلاخاً عن المعايير التقليدية للعلاقات بين الدول أو حتى إدارة الصراعات بينها، بينما تبقى الحقيقة الضحية الأولى لهذا الطوفان من الحرب النفسية والتزييف الممنهج.
الأطراف في هذه الحرب، التي فرضت على الشرق الأوسط وفي صدارتها دول الخليج، لا تتكلم باللغة المألوفة في مثل هذه الأوضاع، وبين من يتحدث عن قرب النهاية ومن يدعي «الصمود الطويل» هناك فجوة واسعة لا تسمح بالقراءة الصحيحة للمشهد ولا تمكن من معرفة المسارات التي يمكن أن يسلكها التصعيد أو يتراجع عنها. وكأن ما يبدو من تشتت ليس مجرد صدفة صنعتها ظروف المعركة، بل أداة لإدارة الصراع وتصفية جملة من الحسابات، كثير منها مفاجئ وصادم، ضمن متاهة متحركة، كلما ذهب الظن إلى أنها اقتربت من المخرج، ارتدت فجأة إلى نقطة الصفر.
بعض القراءات تشير إلى أن ما بعد هذه الحرب في المنطقة والعالم لن يكون كما قبلها، بالنظر إلى الصدمات التي سببتها للأمن الإقليمي والاقتصاد وسنن التعايش بين الدول. وإذا كانت هذه المعركة من ضمن سلسلة الحروب الرامية إلى نسف النظام الدولي المتداعي لإرساء نظام آخر، فإن الطريق يبدو طويلاً ومجهولاً، والنتائج النهائية فادحة ومؤلمة وغير قابلة للتفاؤل، طالما أن قوى إقليمية أو دولية، وتحت ضغط من أوهام السيطرة المطلقة، ترى أن مصلحتها تكمن في نسف قواعد العلاقات الراسخة والمقامرة بمصالح الدول والشعوب المسالمة، التي لا تساوم على أمنها ومبادئها، وهذه القوى هي الأغلبية الساحقة في عالم اليوم مقابل ثلة من تجار الحروب.
صحيح أن الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط متوتر وشديد القتامة، ولكن الأمل بتجاوز هذا الوضع إلى ما هو أفضل مازال صامداً، وسيكون النصر حليفه مهما طالت المعركة واستنزفت من موارد، وإذا كان للباطل جولة فللحق صولات وجولات، والخير أبقى من كل الشرور، مهما استبدت وتمادت ومارست من زيف وتضليل.
حرب بين الوهم والحقيقة
2 أبريل 2026 01:19 صباحًا
|
آخر تحديث:
2 أبريل 02:34 2026
شارك