مفتاح شعيب
يطرح التصعيد العسكري في الإقليم والاعتداءات الإيرانية المستمرة على دول الخليج العربية تساؤلات استراتيجية ملحّة حول أمن المنطقة والتهديدات المستقبلية في ظل غياب مظلة عربية جامعة، وانعدام التضامن الدولي الفعال، وترهل المنظمات الأممية وانكفاء دورها عن الردع الفعلي.
هذه الحرب، لم يكن لدول الخليج العربية دور فيها، بل سعت، منذ بدء نذرها، بكل ما تملك من أدوات القوة الناعمة والعلاقات المتعددة الأطراف أن تتفادى نيرانها وأن تجنب الإقليم والعالم شرها وتداعياتها السلبية، وجدت نفسها بفعل الاعتداءات الإيرانية غير المبررة في قلب هذه الأزمة. وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة من أكثر دول «التعاون» انخراطاً في الجهود الدبلوماسية ودعم الوساطات التي كانت قائمة بين واشنطن وطهران قبل تفجر الصراع. وكانت النتيجة المروعة، أن قوبلت تلك الجهود الخيرة بنكران للجميل من الجانب الإيراني الذي استهدف الدولة ب 372 صاروخاً باليستياً وجوّالاً و1815 مسيّرة، وأدت تلك الاعتداءات إلى استشهاد ثلاثة من منتسبي القوات المسلحة الإماراتية ووفاة 6 مدنيين وتعرّض 166 من جنسيات مختلفة لإصابات بسيطة ومتوسطة. وهذا الحجم من القوة النارية العدوانية الموجهة ضد دولة آمنة ومسالمة جريمة حرب مكتملة الأركان، ونكراناً إيرانياً صريحاً لمبادئ حسن الجوار، التي التزمت بها الإمارات لعقود، وهو ما يضع المجتمع الإقليمي والدولي أمام مسؤولية تاريخية واختباراً حاسماً لكشف كفاءته ونواياه للجم السلوك العبثي وتعطيل ماكينات التضليل التي تزعم استهداف «مواقع عسكرية»، وغايتها الاعتداء على الأعيان المدنية والمرافق الحيوية لضرب الاستقرار الاقتصادي والنموذج التنموي الذي تمثله دول الخليج وفي صدارتها الإمارات.
هذه الحرب ستنتهي ولكن دروسها ستبقى مدوية عقوداً وعِبَر لن تموت في المستقبل، بعدما شهدته من سقوط للأقنعة وما عرفته من تضليل وخداع وسياسات باطنية وانهيار لقيم الصداقة ونسف للمواقف وإفلاس استراتيجي في مستويات عدة. وقد يكون أول ضحايا هذه الحرب ما كان يسمى بالعمل العربي المشترك والتعاون الإسلامي ومؤسساتهما المغيّبة عن الفعل والحركة، وقد أثبتت في هذه الأزمة أنها لم تعد قادرة على مقارعة التحديات، وحتى «اتفاقية الدفاع العربي المشترك» ما تزال حبيسة الأدراج منذ ثلاثة أرباع القرن لم يجر تفعيلها أبدا، ولم تدافع عن أي شعب عربي على مدى الحروب والصراعات التي سحقت ملايين العرب. وعلى الصعيد الإسلامي، لم ترقَ المواقف إلى ما تتطلبه المخاطر من صرامة وحزم، وظلت تتغنى بالبيانات الإنشائية المكررة، أما من الناحية العملية، فلا يوجد نسق عملي يصنع الردع ويجسد مبادئ التعاون والتضامن، كما كان مأمولاً منذ 57 عاماً بعدد الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.
العتاب على العمل العربي والإسلامي المشترك مرده واقع عربي وإسلامي مرير يشهد انفصام القول عن الفعل، ويواجه ضياعاً استراتيجياً في عالم متسارع التقلبات، وقد لا يلحق لتدارك ما فاته من فرص بعدما استنزفته السياسات الخاطئة والصراعات البيروقراطية التي نسفت جبالاً من الأحلام بالتقدم والازدهار والتفوق العلمي والمعرفي. وكل من يشعر بالألم والغيرة على هاتين الأمتين، وهما نحو ثلث البشرية اليوم، يعزّ عليه أن يكون الوضع متردياً وضحية للفرقة والتشرذم وغياب الرؤية المشتركة مما يجعل من الكتلة البشرية الكبيرة مجرد «رقم إحصائي» مغيّب في واقعه الإقليمي كما هو غائب عن الفعل الدولي الحقيقي.