«خلك إيجابي.. فكر بإيجابية.. هونها وتهون.. ابتسم الدنيا حلوة» وغيرها من العبارات التي نسمعها دائماً ونحن نمر بمشكلة أو أزمة حقيقية في حياتنا، وبدلاً من أن نشعر بالراحة، نخرج منها بإحساس أثقل، أن مشاعرنا لا قيمة لها، أو أننا غير مفهومين.
المشكلة ليست في التفاؤل، بل في فرضه علينا في غير وقته، في تلك الإيجابية التي تطالب الإنسان بأن يتجاوز ألمه بسرعة، وأن يتظاهر بالقوة حتى وهو في أضعف حالاته، إيجابية لا تسمح بالحزن، ولا تعترف بالتعب، وتحوّل المشاعر الإنسانية الطبيعية إلى عبء يجب إخفاؤه.
هذه الإيجابية المفروضة، التي أصبحت تعرف اليوم بالإيجابية السامة، لا تطلب من الإنسان أن يتماسك فقط، بل أن ينكر ألمه ويتجاوز وجعه قبل أن يفهمه. نرى هذا السلوك في تفاصيل حياتنا اليومية، صديق ينصحك بالسفر ونسيان الهموم بينما المشكلة لا تزال قائمة، أهل يمنعون أبناءهم من البكاء بحجة «كن قوياً... أنت كبير»، ومنصات تواصل اجتماعي تروج لسعادة دائمة، وكأن الحزن عيب أو فشل شخصي يجب إخفاؤه.
هناك ضغط اجتماعي واضح لنبدو بخير طوال الوقت، حتى عندما لا نكون كذلك. كثيرون يصورون حياتهم على أنها مثالية، بينما يعيشون في الداخل صراعات صامتة، ليس لأنهم لا يتألمون، بل لأن الاعتراف بالألم لم يعد مقبولاً، والمجتمع أصبح يتسامح مع الابتسامة أكثر مما يتسامح مع الصدق.
خلال حياتي رأيت أشخاصاً لم ينهاروا لأنهم ضعفاء، بل لأنهم عاشوا طويلاً وهم يمثلون القوة، تجاهلوا مشاعرهم، وكبتوا تعبهم، وأجلوا الاعتراف بما يشعرون به حتى وصلوا إلى لحظة الانهيار الكامل، ولو سمح لهم منذ البداية بأن يكونوا صادقين مع أنفسهم، لكان المسار مختلفاً.
هذا النوع من الإيجابية لا يخفف الألم، بل يضاعفه، يجعل الإنسان يشعر بالذنب لمجرد حزنه، ويدفعه لكبت مشاعره، وفقدان ثقته بنفسه، ثم العزلة ويبدأ بالتساؤل هل أنا مبالغ؟ هل أنا ضعيف؟
الفرق بين الإيجابية الحقيقية وهذه الإيجابية المفروضة واضح، الأولى تعترف بالألم وتفهمه ثم تبحث عن حلول واقعية، أما الثانية، فتنكر الألم وتغطيه بتفاؤل مصطنع.
المشاعر تشبه الجروح، لا تشفى بالتجاهل ولا بالأوامر، بل بالوقت والعناية، والبكاء ليس ضعفاً، بل استجابة إنسانية طبيعية، القوة الحقيقية لا تعني إنكار الوجع، بل التعامل معه بوعي.
في النهاية من حقنا أن نحزن وأن نتعب أحياناً، فهذا ليس نقصاً، بل جزء من إنسانيتنا، فالإيجابية الحقيقية تقاس بقدرتنا على الصدق مع أنفسنا، ومنح المشاعر مساحتها قبل البحث عن الحل، وحين نسمح لأنفسنا بالصدق، نمنح الآخرين الشجاعة ليكونوا صادقين أيضاً. أما الإيجابية السامة، فهي قشرة لامعة سرعان ما تنكسر عند أول تحد حقيقي.
الإيجابية السامة
17 يناير 2026 00:53 صباحًا
|
آخر تحديث:
17 يناير 00:53 2026
شارك