يبدو سكان المعمورة كما لو أنهم يعيشون في عالم من زجاج، حياتهم على المشاع، أفكاراً وتصرفات، كم مرة فكر أحدنا في شيء وسجله أو تحدث عنه مع صديقه منفرداً، فيفاجأ به يطارده بسيل من الدعايات والإعلانات الإلكترونية؟ ويمكن لأي شخص جالس على مقهى أن يلتقط بهاتفه الذكي صورة لفتاة عابرة انزلقت قدمها فتعثّرت، أو لرجل صدمته دراجة فسقط في الوحل، وينشرها على منصات التواصل الاجتماعي لتصبح مادة للتعليقات والسخرية والتشهير، وهو ما حدث فعلاً مع الفنانة ريهام عبد الغفور قبل أسابيع، حين صورها أحدهم وهي تجلس في الظلام داخل دار عرض سينمائي، ونشر الصور على المنصات الاجتماعية، فتسبب لها في أزمة مع جمهورها ومع عائلتها.
أو ما حدث مع جينفر كاسترو، وهي فتاة برازيلية صوّرها راكب في طائرة وهي ترفض منح مقعدها الخاص بجوار النافذة لطفل في التاسعة من عمره فراح يبكي، وأذاع المشهد الذي علق عليه بضعة آلاف من المتابعين بكلمات حادة وجارحة، وأدخلها في مشكلات كثيرة أدت إلى استقالتها من عملها، ورفعت قضية على شركة الطيران التي لم تحم خصوصيتها وعلى الراكب الذي انتهكها، وتنتظر حكم القضاء في مارس/آذار المقبل.
لا يعرف بدقة عدد المنصات الاجتماعية على شبكة الإنترنت، فكثير منها مغلق على مستخدميها، لكن ثمة 20 منصة مهيمنة تجتذب أربعة مليارات مستخدم، مثل «واتساب»، «فيسبوك»، «يوتيوب»، «إنستجرام»، «تيك توك» و«إكس»، منصات تعتمد على جمع البيانات الشخصية لهم، أي ثمة جهات تعرف معلومات شخصية مهمة عنهم، من أول تاريخ الميلاد إلى أكلاتهم المفضلة، والمدهش أن ملايين المستخدمين ينشرون بأنفسهم تفاصيل حياتهم اليومية، وأحياناً بالصور، دون إدراك أن هذه المعلومات قد تُستخدم ضدهم يوماً ما، ناهيك عن الذكاء الاصطناعي، وفيه خوارزميات قادرة على تحليل الوجوه، وتتبع التحركات والحركات، وربط البيانات الشخصية ببعضها، لتصنع صورة شاملة عن الفرد.
كانت خصوصية الإنسان حقاً طبيعياً أشبه بالهواء الذي نتنفسه، قضية وجودية تمس جوهر إنسانيتنا، وهي الآن مهددة بالانقراض، ولا يمكن أن نرفع راية الاستسلام، ونظل عرايا في العالم الزجاجي، علينا أن ندرك أن كل صورة أو كلمة ننشرها قد تعيش إلى الأبد في الفضاء الإلكتروني، وعلينا أن نضغط لإصدار قوانين تجرم نشر الصور أو البيانات دون إذن أصحابها، وتُجبر المنصات على حذف المحتوى المسيء فوراً، والأهم أن نكبح غرائزنا التي تدفعنا إلى «المشاركة» في ما ينشر ويسيء إلى الآخرين.

[email protected]