من وجهة نظري ومن قناعتي وتجربتي الشخصية في عالم «مواقع التواصل» على مدى عقدين تقريباً، أستطيع القول إن الصراعات هنا ليست انعكاساً حقيقياً للواقع، بل أصبحت في كثير من الأحيان معارك افتراضية بلا قيمة، تُخاض بحماسة عالية وتأثير شبه معدوم. نسمع ضجيجاً واسعاً وانفعالات متصاعدة ونرى اصطفافات حادة، لكن النتيجة النهائية واحدة، لا فائدة حقيقية، ولا مكسب وطنياً أو إنسانياً.
هذه المعارك الرقمية ليست عفوية كما يعتقد البعض، فجزء كبير منها مفتعل وجزء آخر يُدار عبر روبوتات إلكترونية وحسابات وهمية تعمل ضمن غرف عمليات منظمة، بعضها تابع لجماعات سياسية أو أيديولوجية وبعضها لأجهزة استخبارات دول، وبعضها الآخر مرتبط بحالات مصلحية آنية، والمتتبع لمحتوى تلك الحسابات سيكتشف أن هدفها ليس الإقناع بل الإرباك، والاستنزاف وليس الوصول إلى حقيقة، كما أنها تتعمد تسميم الوعي العام.
حين ندرك هذه الحقيقة تتضح عبثية كثير من الخلافات التي نراها يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي، معارك تُصنع لتشتيت الانتباه عن القضايا الجوهرية، وتُدار لإشغال المجتمعات بنفسها، وتحويل النقاش العام إلى ساحة شتائم وتخوين وتراشق لفظي وأخبار كاذبة ومعلومات مفبركة. وهنا يصبح الخلاف «غثاء كغثاء السيل» يبدو كبيراً وصاخباً، لكنه في الحقيقة بلا وزن وبلا قيمة.
أما ما هو أخطر من كل ذلك أن تلك الصراعات تُقدَّم للناس على أنها «رأي عام»، بينما هي في الواقع رأي فئة من الأقلية هنا وهناك، كما أنها نوع من إعادة تنظيم وتركيب رقمي للمشاعر يقوم على ضخ الغضب، وإعادة تدوير الكراهية، وإطلاق «هاشتاجات» مصطنعة لتبدو وكأنها تمثل الشارع، والحقيقة أن الشارع منشغل بمعيشته، وأمنه، ومستقبله، لا بعدد الإعجابات ولا بترندات الساعة.
يجب أن نتذكر دائماً أن الدول لا تُبنى على «انفعالات رقمية»، ولا تُدار بسيول من التغريدات الموجهة، وأن الوعي لا يُقاس بحدة الصوت، بل بقدرة العقل على التمييز بين الحقيقي والمصطنع. كما يجب ألا ننسى أننا حين نُسلم وعينا لمنصات تُدار بالخوارزميات، فإننا نمنح الآخرين فرصة التحكم في أولوياتنا، وإعادة ترتيب معاركنا وفق ما يخدم أجنداتهم.
لهذا، فإن كثيراً من الخلافات على «مواقع التواصل» ليست فقط فارغة، بل مُضلِّلة ولا تستحق الوقت، ولا الانفعال، ولا الاصطفاف. وهذا لا يعني الانسحاب من الفضاء الرقمي، بل تحرير العقل منه والتعامل معه ببرود واعٍ. وسؤال دائم: من المستفيد؟ ومن يصنع هذا الصخب؟

[email protected]