وليد عثمان

يعيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحياء المبدأ الشهير لسلفه جورج بوش الابن «من ليس معنا، فهو ضدنا»، وإن في سياق وزمن مختلفين، لكن المؤدى في الغالب سيكون واحداً، وهو مزيد من التمزق في النظام العالمي بشكل لن تربح منه الولايات المتحدة الكثير.
وإن كان بوش الابن أطلق هذا الشعار متأثراً بالألم الأمريكي من صدمة هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وفي إطار حشد تحالف دولي للحرب على الإرهاب، فإن ترامب يمضي على النهج ذاته بلا مبرر، متعمداً في كل مسلك أن يرسّخ لثقافة التفرد بالقرار العالمي من غير تقيّد بأي قانون للتعامل بين دول العالم، وهو يحسب أن ذلك السبيل الأوحد لتحقيق هدف «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، ولو كانت الوسائل التضحية بعلاقاتها مع بقية دول العالم والجور على قرارها السياسي وخيراتها، وغض النظر عن معاني السيادة الوطنية واحترام رغبات الشعوب.
وإن كان بوش التقى في هدف الحرب على الإرهاب بعد هجمات سبتمبر/أيلول مع مجموعة من الدول، فإن ترامب لا يعير هذا التلاقي اهتماماً ويمضي وحيداً في مسار يفقده تحالفات بلاده ومصالحها، وربما أمنها الداخلي والخارجي، إذا أيقظ ردود فعل متطرفة أو مؤمنة بالقوة وسيلة وحيدة للتفاهم.
فعل ترامب ما فعل في فنزويلا بادئاً بتهديد رئيسها ثم خطفه وسجنه ومحاكمته، قبل أن يبدأ في التصرف بثروتها البترولية، بل قال إن الأمر يمكن أن يتكرر في دول أخرى.
بعدها، أشعل دونالد ترامب «معركة غرينلاند»، مضحياً بكل العلاقات مع دول أوروبا، ويمارس تجاهها سياسة الضغط نفسها بما فيها من تهديدات شملت العالم كله الذي قال إنه لن يكون آمناً ما لم تسيطر الولايات المتحدة على الجزيرة الدنماركية.
لا يريد ترامب حلفاء في معركته، كما فعل بوش الابن، بل إنه يضع نفسه في كفة وبقية العالم في أخرى، كأنه يرسم ملامح مرحلة شديدة السوء من عمر النظام الدولي يعود معها إلى توهم أن إمبراطورية واحدة يمكن أن تحكم كل الآخرين، وأن عليهم الإذعان، وإلا فلن ينعموا بالأمن.
ربما تكون «معركة غرينلاند» منعطفاً في هذا السياق، فالانتصار الأمريكي فيها على طريقة ترامب، يجعل العالم كله رهين قوة لا تعترف إلا بترهيب ما سواها. والاختبار الآن ساحته دول أوروبا التي يتحلل الرئيس الأمريكي من الشراكة معها ويدير المعركة معها بالترهيب إما بالرسوم الجمركية، أو بفقدان الأمن، وهو ما يراقبه حلفاء آخرون بعين القلق.
تبدي أوروبا مقاومة لنهج دونالد ترامب، وتحاول تذكيره بالمبادئ التي تقوم عليها الشراكات والتحالفات في العالم، مثل الاحترام المتبادل والالتزام بالأمن الجماعي والمصالح المشتركة.
نحن إزاء مشهد عالمي مؤسف، لكنه لا يفقد الإثارة التي تشجع على ترقب نتيجة نهجين أحدهما يهدد العالم كله بعدم الأمن، والآخر يرد بأن «غرينلاند لن تصبح أمريكية أبداً».

[email protected]