كمال بالهادي
أعاد الحدث الفنزويلي وإعلان الولايات المتحدة السيطرة على موارد هذا البلد بل والشروع في بيعه لفائدتها أولاً ولفنزويلا ثانياً، الحديث عن هذه المادة الطاقية باعتبارها عصب أو شريان الاقتصاد العالمي أمس واليوم وغداً.
إن تأكيد الولايات المتحدة عن شراهتها لنفط فنزويلا يؤكد حاجتها لطاقة مستقبلية مازالت هي النافذة منذ اكتشافها في القرن التاسع عشر. ولأن العالم يزداد تنافساً في مجالات الصناعة وبرغم الحديث عن بدائل طاقية يمكن أن تعوض النفط، فإن الواقع يثبت غير ذلك، فالنفط هو المهيمن على اسواق الطاقة واضطراب اسعاره كفيل بأن يربك اسواق المال والاقتصاديات العالمية.
إن النفط هو عنصر هيمنة وقوة دولية، الولايات المتحدة أعادت التأكيد على أن هذه الطاقة هي ليست ثروة بل أداة هيمنة وفرض نفوذ، فاستمرار أسواق النفط يعني استمرار عصر ازدهار العملة الأمريكية التي هي الدولار. ذلك أن النفط تتحكم فيه الولايات المتحدة بنسبة كبرى من خلال تسعيره بالدولار ومن خلال بيعه بالدولار، وحتى محاولات بعض الدول للخروج من مظلة الدولار، فإنها تظل محدودة، لتبقى اسواق النفط تحت الهيمنة الأمريكية المطلقة، وهكذا تستمر الولايات المتحدة فارضة منطقها وسياساتها على الجميع بما في ذلك الصين وروسيا.
إن الولايات المتحدة الساعية سعياً محموماً لعملية استباقية للسيطرة على منابع المعادن النادرة، لا تفرّط في الطاقة الاستراتيجية وهي النفط، بمعنى أن تضع يدها على الحاضر وتستبق الجميع في السيطرة على طاقات المستقبل. وقد أعلنها ترامب صراحة أنّه سيستثمر في المعادن النادرة في كل من الكونغو وبعض الدول الإفريقية الأخرى بعد أن وضع يده على معادن أوكرانيا ونفط فنزويلا. وفي المحصّلة أعاد الحدث الفنزويلي أهمية طاقة النفط في رسم المشهد العالمي لعقود قادمة، واعاد رسم نفوذ القوى الدولية وامتداداتها الاستراتيجية، والولايات المتحدة تقبض على سلاحين لا ثالث لهما هما النفط والدولار.
لقد بات واضحاً أنه في الحروب الجديدة لم يتغير شيء، فأمريكا ذهبت للعراق من أجل احتياطيات النفط الهائلة، وكذلك أفغانستان ما قيل إنها تمتلك ثروات تعدينية كبيرة، كما أن أعمالها ونشر قواعدها المختلفة في دول ذات حساسيات خاصة، جاءت لنفس الأهداف.واليوم يأتي الدور الصريح على فنزيلا بعد أن تم إخضاع أوكرانيا للعم سام وسلمت مفاتيح معادنها الثمينة لترامب. ففنزويلا يباع نفطها من قبل وزارة الطاقة الأمريكية في مشهد استعماري لم تشهد له البشرية مثيلاً.
وهكذا فإنّ مصادر الطاقة كلها تبدو جاذبة ومحرّكة للصراع في العالم بين القوى التقليدية الساعية إلى استمرار هيمنتها على الموارد واستغلالها وهضم حقوق الشعوب التي تنتجها. وانطلاقًا من هذه الاعتبارات كانت السيطرة على النفط تعني ضمان استمرار عمل الآلة الصناعية والآلة العسكرية معًا، أي الرخاء والقوة، وبات النّفط يمثّل قطاعًا مهمًا للاستثمار الرأسمالي، وهكذا كان النفط محور لصراع الرأسماليات والشركات والدول ومقاولي النقل.
النفط اليوم هو الدم الذي يجري في شريان الصناعات الحديثة، وهو أوكسيجينها الذي لو انقطع لماتت واندثرت واختنقت الدول الصناعية. وعليه فإن مغامرة الولايات المتحدة بشن حرب ربما على كل دول أمريكا الجنوبية، وفرضها السيطرة على النفط الفنزويلي، يؤكد أهمية هذا المصدر الطاقي لعقود قادمة، وعدم قدرة أمريكا على جعله خياراً ثانياً في مصادر الطاقة.
وهكذا فإن أدوات الصراع وجغرافيتها السياسية، لن تتغير في الأفق القريب، لأن منابع هذا المورد الطاقي، لم تتغير بصفة جذرية، حتى بدخول الولايات المتحدة مصاف الدول المنتجة، ولكن إلى متى ستظل الشعوب صاحبة الثروة والأرض تدفع ثمناً باهظاً لثورة كانت نعمة فصارت نقمة؟