كمال بالهادي

اقترنت الذكرى الخامسة عشرة ل«ثورة فبراير» الليبية، باغتيال نجل العقيد القذافي الراحل سيف الإسلام، وهذا يعطي دليلاً واضحاً على عدم قدرة الفرقاء في ليبيا على تحقيق مصالحة وطنية شاملة، وعجزهم عن إيجاد توافقات سياسية تجعلهم قادرين على تجاوز خيارات العنف والقتل، والتي أدت إلى بروز شروخ في تركيبة المجتمع الليبي القائمة أساساً على القبلية.
لقد كانت الأحداث في ليبيا عنيفة في الأيام الأولى لأحداث فبراير 2011، وقد أدى تدخل حلف الناتو من خلال عملية «فجر الأوديسة»، إلى سيادة الفوضى العارمة وحكم الميليشيات، وبروز نفوذ العصابات والجماعات المتطرفة وأهمها تنظيمي «داعش» و«أنصار الشريعة»، ويمكننا القول إن عملية «فجر الأوديسة» قد أدت إلى غروب دولة ليبيا عملياً، لأن كل ما أتى بعدها هو خراب دولة عربية كانت تنعم بالاستقرار والازدهار الاقتصادي، وربما لو تعمّقنا في أسباب تحرّك الشعب الليبي في تلك الفترة لقلنا بكل عقلانية إنّه وضع نفسه في محنة كانت بعيدة عنه وإن من أدخلوهم إليها هم بعض الليبيين الذين كانوا منخرطين في مشروع تمدد الإسلاميين في المنطقة، ولم يكن يهمهم مصلحة الشعب الليبي واستقراره.
إن النظر إلى السنوات التي مرّت من عمر الحراك الليبي يمكّننا من قراءة كل ما حدث وموازنته موازنة عقلانية. فمن حيث وحدة الدولة ومؤسساتها، عاشت ليبيا وضع انقسام حاد في كل مؤسساتها الاستراتيجية، بدءاً من مؤسسة الجيش إلى القوى الأمنية وصولاً إلى المؤسسات التشريعية والحكومية والاقتصادية. ففي ليبيا من كل زوج اثنين، قيادتان عامتان للجيش في طرابلس وبنغازي، وحكومتان الأولى في غرب ليبيا والثانية في شرقها، وزوجان من كل وزارة، في الشرق والغرب، وهذا وضع غير طبيعي وغير مقبول واستمراره طوال هذه الفترة إنما يكرّس حالة الانقسام الفعلي التي لا يمكن رأب صدعها مستقبلاً. الخطر في الوضع الليبي هو الحالة الانقسامية التي تمتد في الزمان وتتحول إلى «مرض مزمن»، ولا شك في أنّ كثيراً من الليبيين باتوا يدركون خطر هذا المسار الذي يشجع ربما أطرافاً أخرى على تأسيس كيانات شبيهة بما في بنغازي وطرابلس والعودة إلى تلك الخريطة القديمة التي تقسم ليبيا إلى ثلاثة أقاليم هي برقة وفزان وطرابلس.
منذ 2011، وربما حتى قبل اندلاع أحداث 17 فبراير، فإنّ من حرّكوا المشهد الليبي وقتها وهم أساساً تيار الإخوان المسلمين، قد سلّموا أوراقهم ومصيرهم بل مصير ليبيا إلى الخارج. لقد كان كل شيء مرتباً منذ إسقاط نظام صدام حسين في عام 2003 في العراق، ومنذ زيارة أوباما في عام 2009 إلى القاهرة وحديثه عن دمج الإسلام المعتدل في الحكم، كان إخوان ليبيا المعول والأداة التي تم بها غزو ليبيا ودولاً عربية أخرى إبان الفوضى العارمة.
وإلى اليوم لم يستطع الليبيون استرجاع وطنهم، لأنّ من يدير الملف الليبي هو أساساً الخارج، فهو الذي منع إجراء الانتخابات، وهو الذي نشر آلاف الدواعش والمرتزقة في ليبيا، وهذا الخارج هو الذي نظم مئات مؤتمرات الحوار الوطني الليبي وسهر على إفشالها الواحدة بعد الأخرى، وهو أيضاً الذي يتحكم في مصير التوحيد وحتى من يحكم ليبيا، وكأنّ ليبيا ليس فيها شعب من حقه أن يختار من يحكمه. ولئن كان من هم في المشهد الآن يدافعون دون هوادة عن أحقية ثورتهم وشرعيتها، فإنّه لا أحد يمكنه أن ينكر أنّ واقع ليبيا الآن هو واقع اللادولة.
والمشكلة اليوم أن ليبيا في عيون الآخرين، ليست إلا مجالاً جغرافياً واسعاً يختزن باطن أرضها ثروات طبيعية هائلة، والتنافس بين هذه القوى على من يكون له القدرة على السيطرة على منابع النفط والغاز الليبي، ولا يهمهم من سيقود ليبيا ولا مستقبل الشعب الليبي.

[email protected]