توفي رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، وعم الرئيس السابق بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، في أحد المستشفيات خارج سوريا، وفق ما أفادت مصادر مقرّبة من أسرته.

ويعد رفعت الأسد أحد أبرز أركان النظام السوري خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وعُرف بقيادته سرايا الدفاع، وتولى مناصب عسكرية عدّة، قبل إبعاده عن سوريا بعد صراع داخلي على السلطة، وعاش سنوات طويلة في فرنسا قبل عودته إلى دمشق في أعوامه الأخيرة.

ولد رفعت علي سليمان الأسد عام 1937 في مدينة القرداحة في محافظة اللاذقية، لأسرة فقيرة تعمل في الزراعة، وتنتمي إلى الطائفة العلوية، والده علي سليمان الأسد، وأمه أنيسة مخلوف من أسرة علوية غنية.

تلقى تعليمه الأساسي في قريته، ثم درس العلوم السياسية في جامعة دمشق، وحصل على الدكتوراه في الاقتصاد منها عام 1977. تزوج 4 مرات، وكانت أولى زوجاته ابنة عمه أميرة عبدالعزيز الأسد، وله 8 أبناء أكبرهم دريد، و8 بنات أكبرهن تماضر.

وانضم رفعت عام 1952 إلى حزب البعث، على خُطى أخيه حافظ، ثم التحق بالخدمة الإلزامية في الجيش، بعد ذلك انتقل إلى وزارة الداخلية عقب الانفصال بين مصر وسوريا عام 1961، ودرس في الكلية العسكرية في مدينة حمص بعد انقلاب عام 1963، الذي نفذته اللجنة العسكرية للإطاحة بحكم الرئيس ناظم مقدسي، وكان أحد أعضاء اللجنة حينها، أخوه حافظ الأسد.

أوكلت إليه أولى المهام العسكرية برفقة اللواء سليم حاطوم عام 1966، وهي مهمة اقتحام منزل الرئيس السوري حينها أمين الحافظ، لأنه حاول نقل عدد من الضباط من بينهم حاطوم إلى مناصب أخرى في الجيش، وأسفرت المهمة عن استسلام أمين الحافظ، وتنازله عن رئاسة البلاد، وعودة اللجنة العسكرية لحكم البلاد بقيادة صلاح جديد، وحافظ الأسد.

شارك رفعت في حرب 1967 بين الدول العربية وإسرائيل، وكان مسؤولاً عن كتيبة الدبابات في جبهة القنيطرة، وحمل رتبة نقيب حينئذ، وانسحبت الكتيبة مع اللواء 70 الخاص بالمدرعات من الجبهة، بعد الإعلان المبكر عن سقوط جبهة القنيطرة، قبل سقوطها فعلياً.

ومع نهاية الستينيات، أصبح الصراع محصوراً في حزب البعث بشكل أكبر بين حافظ الأسد وأخيه الأصغر رفعت من جهة، وبين صلاح جديد ومدير المخابرات العامة عبدالكريم الجندي من جهة أخرى، وأفضت تلك المواجهة إلى هزيمة جديد والجندي، واستلام حافظ الأسد السلطة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1970، وكان دور رفعت محورياً عبر تأمين دمشق من أيّ محاولة انقلاب على أخيه.

تشكيل «سرايا الدفاع»

وعام 1971 شُكلت الوحدة 569، أو ما يعرف بـ«سرايا الدفاع»، وتشير بعض المصادر إلى أنها تأسست في مطلع الثمانينيات، وتعد قوة عسكرية لا تتبع للجيش النظامي، ترأسها رفعت الأسد، وأوكلت إليها مهمة حماية السلطة الحاكمة عبر قوة عسكرية قوامها 40 ألف مقاتل.

وانتشرت سرايا الدفاع بين طلاب الجامعات بهدف تشجعيهم على التطوع فيها، إذ أسس رفعت «الرابطة العليا للخريجين»، والتي أصبحت كياناً طلابياً عسكرياً موازياً له، وعُين فيما بعد رئيس مكتب التعليم العالي حتى عام 1980، بالتزامن مع تعيينه رئيساً للمحكمة الدستورية.

وفي سبعينيات القرن الماضي ارتفعت حدّة المواجهة بين رفعت الأسد وأخيه حافظ من جهة، وجماعة «الإخوان» الإرهابية والطليعة المقاتلة من جهة أخرى، وفي تلك الفترة بدأ رفعت بتعزيز سلطته في البلاد.

وخططت الطليعة المقاتلة في دمشق عام 1981 لاغتيال رفعت الأسد عبر سيارة مفخخة عن بعد، ولكن أُلغيت العملية قبل التنفيذ مباشرة، بسبب تطابق موجات اللاسلكي التي تملكها الطليعة المقاتلة مع موجات اللاسلكي التي تملكها المخابرات السورية في تلك المنطقة، ما يعني عدم التأكد من انفجار السيارة في الوقت الصحيح.

وفي العام التالي، قاد سرايا الدفاع في «مجزرة حماة»، التي وصفها لاحقاً بأنها كذبة ولا علاقة له بها، ففي نهاية يناير/ كانون الثاني 1982، وبقيادة رفعت الأسد، وبقوات قوامها 20 ألف جندي، حاصرت سرايا الدفاع والفرقة الثالثة، واللواء 21، واللواء 57، والمخابرات العسكرية، مسندة من القوات الخاصة بقيادة علي حيدر، مدينة حماة وأغلقت مداخلها، وبدأت مساء الثاني من فبراير/ شباط قصف المدينة من كل جوانبها.

وقُطعت الكهرباء والاتصالات عن المدينة، واستمرت عمليات القصف حتى الخامس من فبراير/شباط 1982، وبدأت بعدها عملية برية لاقتحام المدينة، وفرض حظر التجوال، وسط اشتباكات مع مقاتلي تنظيم «الإخوان» الإرهابي، وعمليات إنزال مظلي قامت بها قوات الجيش، واستمرت المجازر في المدينة حتى 28 فبراير/ شباط، إذ سُمح بالتجوال في الأول من مارس/ آذار.

وقد خلفت هذه الحملة العسكرية نحو 40 ألف قتيل، وُثقت أسماء نحو 10 آلاف منهم، و17 ألف مفقود وثقت أسماء نحو 4 آلاف منهم، إضافة إلى تدمير قرابة 79 مسجداً، و3 كنائس، وتدمير أحياء كاملة في المدينة.

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2011، وخلال مقابلة تلفزيونية نفى رفعت الأسد، مسؤوليته عن مجزرة حماة، وقال إنها تهمة وكذبة روّج لها «النظام السوري»، وفق قوله، واتهم الرئيس حافظ الأسد بالمسؤولية عما جرى. كما أنكر في المقابلة ذاتها وجود سرايا الدفاع، كما أنكر قيادته لها، واعتبر أن الأمر كله «كذبة كبيرة نُشرت وروّج لها»، إلا أنه أقرّ بقيادته للوحدة 569.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 1983 أصيب حافظ الأسد بأزمة قلبية، وعقدت القيادة القطرية لحزب البعث اجتماعاً حينها، الأمر الذي دفع رفعت لوضع عدد كبير من سرايا الدفاع في الساحة الداخلية لقيادة الحزب. لكن استعاد حافظ الأسد صحته في فبراير/ شباط 1984، وكان أول قراراته القبض على المساعد الأمني لرفعت الأسد، العقيد سليم بركات، ثم عيّن حافظ أخاه نائباً له بعد عزله من سرايا الدفاع، وتعيين العقيد محمد غانم بدلاً عنه.

وفي اجتماع القيادة القطرية الذي عُقد في مارس/ آذار 1984 حدد حافظ صلاحيات رفعت بصفته نائباً للرئيس للشؤون الأمنية، إضافة إلى نائبين آخرين، هما محمد زهير مشارقة، وعبد الحليم خدام، ولكن رفعت أمر بنشر قواته في الأماكن المُطلة على العاصمة، وفي المقابل قامت القوات الخاصة بقيادة علي حيدر، وقوات الحرس الجمهوري بقيادة عدنان مخلوف بالاستعداد لمواجهة رفعت في حال بدأ معركته ضد أخيه حافظ في العاصمة.

وفي نهاية إبريل/ نيسان 1984 أدرك رفعت أن الكفة مالت لمصلحة أخيه، فوافق على شروطه، وضمّت سرايا الدفاع إلى الجيش، وأصبحت تُشكِّل الفرقة الرابعة بقيادة باسل بن حافظ الأسد، واختار رفعت منفاه بداية في موسكو، مع الحصول على مبلغ مالي ضخم، ثم دخل إلى بريطانيا بطريقة غامضة.

وعاد رفعت في زيارة إلى سوريا بعد وفاة والدته عام 1992 بناء على طلبها قبل وفاتها، واستمر في منفاه، بالعمل في منصب نائب الرئيس للشؤون الأمنية، وعضو القيادة القطرية «نظرياً» حتى عام 1999 لحمايته من أي ملاحقات قانونية.

وعام 2018 تقدم رفعت الأسد وأولاده بطلب للحصول على الجنسية البريطانية، ولكن تم الرفض بسبب قرابتهم من بشار الأسد، وقدم رفعت وعائلته طعناً بقرار محكمة الهجرة، ولكن لجنة الاستئناف رفضته.

ومع بداية الثورة السورية في مارس/ آذار 2011 دعا رفعت ابن أخيه بشار إلى التنحي قائلاً إنه لا يمكن الاستمرار في إراقة الدماء في سوريا، وصرّح في لقاء تلفزيوني أن وقت الحوار مع النظام قد انتهى، ولا بد من تغيير النظام. واستمر رفعت في موقفه المعارض لحكم بشار حتى ظهوره في مايو/ أيار عام 2021 في سفارة دمشق وهو يدلي بصوته في «الانتخابات» الرئاسية، وبعث لاحقاً برقية تهنئة لبشار بمناسبة إعادة «انتخابه».


ملاحقات قضائية

في عام 2013 رفعت مجموعة «شربا» لمكافحة الفساد دعوى قضائية ضد رفعت في فرنسا، بتهمة غسل أموال سورية عامة ضمن عصابة منظمة، وأدلى رفعت بإفادته عام 2015 أمام القضاء الفرنسي، ونفى ارتكاب أيّ مخالفات. ولكن محكمة فرنسية أصدرت عام 2020 حكماً بسجنه 4 سنوات، ومصادرة العقارات التي يملكها في فرنسا، والتي تقدر قيمتها بـ100 مليون دولار، كما دانته محكمة الاستئناف في باريس بتهمة الاحتيال الضريبي وتشغيل أشخاص بشكل غير قانوني عام 2021، وأمرت بسجنه ومصادرة جميع العقارات الخاصة به التي اعتبرت أنه حصل عليها عن طريق الاحتيال.

وعاد رفعت الأسد إلى سوريا في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، والتقطت صورة عائلية تجمعه مع بشار، وباقي العائلة بعد أيام من عودته إلى البلاد. وفي بريطانيا أصدر الادعاء البريطاني قراراً يقضي بتجميد أصول بملايين الجنيهات الاسترلينية تعود لرفعت الأسد في بريطانيا، ومنعه من بيع منزل يمتلكه في منطقة ميفير قيمته 4.7 مليون جنيه استرليني.

كما أمرت السلطات الإسبانية بمصادرة ممتلكات أسرة رفعت الأسد، وتجميد حساباتها المصرفية، ضمن تحقيق ضده بتهم تتعلق بغسل أموال. وأصدر القضاء الفيدرالي السويسري في أغسطس/ آب 2023 مذكرة اعتقال بحقه بتهمة ضلوعه في جرائم حرب في سوريا عام 1982.