د. صلاح الغول
كل شيء في دولة الإمارات، بفضل الرؤية المتبصرة والحكمة البالغة لقيادتنا الرشيدة، مصيره إلى الاستدامة، إن صح التعبير. فالاستدامة هي الكلمة المفتاحية للبحث في شؤون السياسة والحكم، والنمو والتنمية، والعلاقات الخارجية لدولة الإمارات. وينطبق ذلك، أكثر ما ينطبق، على جهود الدولة المستدامة في بناء وتنمية قوتها الناعمة.
فقد تبنت دولة الإمارات منذ سنوات عديدة سياسة تقوم على تطوير أدوات قوتها الناعمة، فأطلقت «استراتيجية القوة الناعمة»، وأسست مجلساً وطنياً للقوة الناعمة، وأكدت في مبادئ الخمسين وهي المرجع لجميع مؤسسات الدولة خلال الخمسين عاماً المقبلة، على «التفوق الرقمي والتقني والعلمي لدولة الإمارات الذي من خلاله سيتم رسم حدودها التنموية والاقتصادية، وترسيخها عاصمة للمواهب والشركات والاستثمارات في هذه المجالات يجعلها العاصمة القادمة للمستقبل». كما تضمنت المبادئ الثمانية للسياسة الخارجية الإماراتية، في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، تعزيز القوة الناعمة للدولة لتحقيق أهدافها ومصالحها الوطنية.
وتُوظف دولة الإمارات توليفة متنوعة من أدوات وصور القوة الناعمة، أهمها- الأدوات الدبلوماسية، والسلوكات الداعمة للشرعية الدولية، وجاذبية النموذج الذّي تطرحه على الصعيد الاقتصادي (نموذج التنمية المتنوع محلياً والمنفتح اقتصادياً) وعلى الصعيد السياسي (النموذج الاتحادي المرن) وعلى الصعيد الثقافي (نموذج التعددية الثقافية). وقد استطاعت دولة الإمارات صنع صورة دولية لنفسها كدولةٍ مستقرة ومثالٍ في التعايش السلمي بين الحضارات والثقافات المختلفة. ويتصل بذلك أنّ دولة الإمارات غدت منصة انطلاق فكرية لمحاربة الأفكار المتطرفة في العالم العربي والإسلامي.
وثمة اعترافٌ عالمي متزايد باستدامة القوة الناعمة الإماراتية. فطبقاً لمؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2026، الصادر عن مؤسسة براند فاينانس، الذي تم إعلانه على ملء من دول العالم في منتدى دافوس، حافظت دولة الإمارات، للعام الرابع على التوالي، على موقعها المتقدم ضمن قائمة أقوى عشر دول عالمياً من حيث مقدرات القوة الناعمة، برغم تراجع مراكز عددٍ من الدول الكبرى.
فقد تبوأت دولة الإمارات، في تقرير القوة الناعمة العالمي لعام 2026، المرتبة العاشرة عالمياً بين كل أعضاء الأمم المتحدة (193 دولة)، واحتلت المركز الأول بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، متفوقةً على أمم لها باع طويل في مصادر القوة الناعمة، على رأسها الدول الإسكندنافية وكثير من دول غرب أوروبا واليابان ودول الحضارات القديمة كمصر والصين واليونان والهند، وغيرها.
وحتى نُقيّم الأداء المتماسك والمستدام لدولة الإمارات في دليل القوة الناعمة، يجب أن نلقي نظرة سريعة على أدائها خلال العام المنصرم، الذّي يسجله تقرير 2026، في المؤشرات الرئيسية والفرعية للقوة الناعمة. وأريد أنْ ألفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ تقرير 2026 يعكس، بصورةٍ كبيرة، السرديّة الوطنية الإماراتية، التي تسعى القيادة الرشيدة إلى الترويج لها وترسيخها.
فمن أهم عناصر السرديّة الوطنية أن تكون دولة الإمارات رائدة في مجال المساعدات الإنسانية. وفي هذا الخصوص، يسجل تقرير القوة الناعمة 2026 محافظة الدولة على المركز الثاني عالمياً في العطاء. وتأتي استدامة التنمية والازدهار وتقديم نموذج اقتصادي واعد في مقدمة عناصر السرديّة الوطنية الإماراتية. ويسجل تقرير 2026 أن دولة الإمارات تبوأت المركز الثالث في فرص النمو الاقتصادي المستقبلي، والمركز السابع في قوة الاقتصاد واستقراره، والمركز العاشر في محور الأعمال والتجارة. وفي مجال الشؤون الخارجية، كانت بصمة الإمارات واضحة، حيث حلت الدولة في المرتبة الثامنة عالمياً في التأثير في الدوائر الدبلوماسية، وفي المرتبة التاسعة في مؤشر العلاقات الدولية. ويجدر الذكر أن التعاون الدولي والانخراط الفعّال في المنظمات الدولية لتأمين مكانة دولية مرموقة من مقومات السردية الوطنية الإماراتية. وقد رصد تقرير 2026 تنامي مكانة الإمارات الدولية، حيث احتلت المركز الثالث عشر عالمياً في تأثيرها الإعلامي، وكذلك في متابعة الجمهور العالمي لشؤونها. وثمة عنصر جديد في هذه السردية يتعلق بطموح الدولة للريادة التكنولوجية. ولم يكن غريباً أن تحل الإمارات في المرتبة الثامنة عالمياً في التقدم العلمي والإبداع.
والحق أنّ دولتنا نجحت، إلى حدٍ كبير، في دمج عناصر قوتها الناعمة في نموذج واحد، هو نموذج التعددية الثقافية والتسامح الإنساني. وهذا النموذج كلٌ متكامل، ذو هويةٍ إماراتية خالصة. ففرص النمو المستقبلي، كأحد أهم روافد القوة الناعمة للدولة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً باستثمار قيادتنا الرشيدة في التعدد الثقافي والحضاري. والعطاء، وهو من أهم عناصر قوتنا الناعمة، يرتبط بقيمة التسامح الإنساني، التي تُعتبر إرثاً ثقافياً في مجتمع الإمارات منذ حضارتي ماجان وميلوخا، مروراً بالتقاليد القبلية الأصيلة، وصولاً إلى الحضارة العربية الإسلامية. والأهم من ذلك هو حرص الآباء الأوائل، على رأسهم الشيخ زايد طيب الله ثراه، وقادة الدولة على ترسيخ قيمة التسامح كقيمةٍ مظلة في مجتمع الإمارات، ترتبط بها قيم فرعية أخرى في مقدمتها الكرم والعطاء والانفتاح.