د.أيمن سمير

دخلت قضية «جزيرة غرينلاند» التي تتبع التاج الدنماركي، وتتمتع بالحكم الذاتي، مرحلة «تكسير العظام» بين الولايات المتحدة من جانب، والدول الأوروبية من جانب آخر بعد أن رفعت 8 دول أوروبية «قفاز التحدي» في وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما قررت إرسال قوات أوروبية إلى «الجزيرة البيضاء» التي تعد أكبر جزيرة في العالم بمساحة تزيد على 2.1 مليون كلم، ويغطي الثلج نحو 89% من مساحتها، ويصل عمق الثلوج فيها إلى نحو 3 كلم. إرسال قوات أوروبية إلى الجزيرة تحت عنوان «المناورات الأوروبية» أثار غضب الرئيس الأمريكي، ودفعه للتهديد بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية الثمانية بنحو 10% بداية من شهر فبراير القادم، وهو ما جعل الدول الاوروبية تنسق جهودها من أجل الرد على التهديد الأمريكي بفرض تكلفة إضافية تصل إلى 110 مليارات دولار سنوياً على دخول البضائع والسلع الأمريكية للاتحاد الأوروبي عبر تفعيل «آلية الإكراه الاقتصادي».

بينما تؤكد الدنمارك وسكان الجزيرة الذين يصل عددهم لنحو 57 ألف نسمة أن جزيرتهم ليست للبيع، يؤكد صقور البيت الأبيض أن سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة «ضرورة استراتيجية» لحماية الأراضي الأمريكية، ونصف الكرة الغربي من الصواريخ البالستية، والصواريخ العابرة للحدود التي يمكن أن تطلقها روسيا والصين على الأراضي الأمريكية، ويعتقد البيت الأبيض أن شراء الجزيرة أو حتى غزوها عسكرياً سوف يكون أقل تكلفة من سيطرة الصين وروسيا عليها بعد أن كشف الرئيس ترامب أن الغواصات الروسية ترابض بالقرب من الجزيرة، ويخشى مخططي السياسة الأمريكية أن تقود الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والموانىء التابعة للجزيرة إلى تقويض الأمن القومي الأمريكي الذي ينظر إلى الجزيرة باعتبارها جزءا أصيلا من جغرافيا أمريكا الشمالية ونصف الكرة الغربي رغم أنها تتبع دولة الدنمارك منذ نحو 500 عام، فالجزيرة ترتبط عملياً بالجرف القاري لأمريكا الشمالية، وتعد امتداداً طبيعياً للمحيط الأطلسي والقطب الشمالي الذي يراه الرئيس ترامب «مستقبل رخاء البشرية» وحلقة مهمة في بقاء الهيمنة الأمريكية على العالم حتى نهاية القرن الحالي بما يملكه القطب الشمالي من موارد ضخمة من الغاز والنفط والمعادن النادرة وخطوط الملاحة المستقبلية.

ورغم التاريخ الطويل للولايات المتحدة في المطالبة بشراء جزيرة غرينلاند إلا أن الأسابيع الأخيرة كشفت إصراراً أمريكيا للسيطرة على الجزيرة حتى لو كانت هذه الرغبة الأمريكية في الاستحواذ على غرينلاند تهدد تماسك الاتحاد الأوروبي، وبقاء حلف دول شمال الأطلسي «الناتو»، فالبيت الأبيض يرى في غرينلاند أكثر من «مساحة بيضاء» في أقصى شمال الكرة الأرضية، لأنها «كنز الشمال» الذي يمسك بمفاتيح الطاقة والأمن والجغرافيا السياسية، ويفتح الباب أمام واشنطن ليس فقط للحصول على كميات كبيرة من المعادن النادرة، بل باستمرار سيطرة الولايات المتحدة على مستقبل شرايين التجارة الدولية في ظل التوقعات بذوبان الجليد، وأن تكون الطرق الشمالية التي تشرف عليها غرينلاند هي محور الملاحة الرئيسي في عالم المستقبل.

فما هي دوافع الرئيس ترامب للاستحواذ على غرينلاند؟ وما هي الأوراق التي يملكها الأوروبيون للوقوف في وجه رغبة البيت الأبيض للسيطرة على الجزيرة التي تساوي مساحتها 3 مرات مساحة فرنسا؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة حال استمرار رفض الدنمارك وأوروبا منح «الجزيرة البيضاء» إلى الرئيس ترامب؟

شراء وصفقات

منذ استقلالها عام 1776 كان شراء الأراضي أحد أهم 3 أضلاع في مثلث التوسع الأمريكي بجانب الضغط الدبلوماسي والحروب، فالولايات المتحدة عندما استقلت كانت تتكون من 13 ولاية على ساحل المحيط الأطلنطي، واليوم يعود الفضل للضغط الدبلوماسي والحروب وصفقات شراء الأراضي في وصول الولايات المتحدة الى 50 ولاية وعدد من الأقاليم الأخرى، حيث أصبحت قارة بمعنى الكلمة يحميها شرقاً المحيط الأطلنطي، وغرباً المحيط الهادىء حيث كانت أكبر صفقة عقارية في التاريخ عندما اشترت الولايات المتحدة ولاية لويزيانا التي تزيد مساحتها على 2 مليون كلم من نابليون بونابرت عام 1803 ب15 مليون دولار بواقع سِنتين للفدان، وشراء لويزيانا منح الولايات المتحدة أراضي إضافية في ولايات أركنساس، وميسوري، وآيوا، ونبراسكا، وأجزاء من مينيسوتا وكنساس ومونتانا، وبعدها ب16 عاماً فقط اشترت الولايات المتحدة ولاية فلوريدا من اسبانبا عام 1819 مقابل 5 ملايين دولار دفعتها الحكومة الأمريكية لمواطنين أمريكيين وليس لإسبانيا كتعويضات لهم من اسبانيا، وهي الولاية التي يعيش فيها الرئيس ترامب، وينتمي لها وزير خارجيته مارك روبيو، وهي من كبريات الولايات الأمريكية حيث لها 29 صوتاً في المجمع الانتخابي الأمريكي، ومن نتائج الحرب الأمريكية المكسيكية عام 1848 حصلت الولايات المتحدة على أراض شاسعة في ولايات كاليفورنيا، ونيفادا، ويوتا، وأريزونا، لكنها كانت في حاجة إلى شراء «ممر جادسدن» من المكسيك لإنشاء خط سكة حديد يربط شرق الولايات المتحدة بغربها، وبالفعل وافقت المكسيك على بيع هذا الممر عام 1853 إلى الولايات المتحدة، أما صفقة شراء الأراضي التي كان عليها جدل تاريخي في الولايات المتحدة فهي شراء واشنطن لولاية ألاسكا من روسيا القيصرية عام 1867، نظراً لحاجة روسيا للمال في ذلك الوقت، وخوف موسكو من سيطرة بريطانيا عليها، ورغم الثمن الزهيد لشراء ألاسكا مقابل 7.2 مليون دولار أي 2 سنت للفدان تعرض مهندس الصفقة ووزير الخارجية الأمريكي آنذاك ويليام سيوارد لانتقادات حادة، لأن ألاسكا كانت من وجهة نظر المعارضين للصفقة ما هي إلا جبال من الثلوج، لكن اليوم أصبحت المصدر الرئيسي للنفط والغاز الأمريكي.

تاريخ طويل

عرضت الولايات المتحدة عام 1867 شراء جزيرة غرينلاند، وهو نفس العام الذي اشترت فيه ولاية ألاسكا، ومن أجل تبرير عرض شراء غرينلاند أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية وقتها تقريراً يؤكد على أهمية الجزيرة الاقتصادية والجيوسياسية للولايات المتحدة، وعندما احتلت ألمانيا النازية الدنمارك عام 1940 سارعت الولايات المتحدة الأمريكية لفرض «الحماية الأمريكية» على غرينلاند خوفاً من احتلال هتلر لها وذلك عبر توقيع واشنطن اتفاقية مع السفير الدنماركي في واشنطن في 9 أبريل 1941، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية عرضت إدارة الرئيس هاري ترومان 100 مليون دولار لشراء غرينلاند، ونتيجة للحرب الباردة وقعت الويات المتحدة مع الدنمارك «اتفاقية دفاع مشترك» حول غرينلاند حتى يمكن الاستفادة من الجزيرة في اعتراض الصواريخ البالستية طويلة المدى من الاتحاد السوفييتي السابق، وأعادت واشنطن العرض مرة أخرى أثناء الولاية الأولى للرئيس ترامب عام 2019، وكان الرفض القاطع من الدنمارك وغرينلاند هو الرد على عرض البيت الأبيض منذ عام 1867 وحتى الآن، ورغم ذلك تحتفظ الولايات المتحدة بمكانة خاصة في الجزيرة منذ عام 1941 حيث توجد قوات وقواعد عسكرية أمريكية في قاعدة «بيوتوفيك الفضائية» التي تراقب كل شيء من هناك.

أسباب

لا يتعلق الأمر فقط بصفقة أراض يسعى إليها مطور عقاري كما يحاول البعض تصوير قضية غرينلاند، لكن هناك أسباب جوهرية وراء إصرار ترامب على الاستحواذ على الجزيرة وهذه الأسباب هي:

أولاً: حائط صد متقدم

ترى واشنطن في جزيرة غرينلاند «حائط صد متقدماً» ضد الصواريخ الروسية والصينية طويلة المدى والفرط صوتية حيث يمكن للولايات المتحدة بناء منظومات دفاع متوسطة وبعيدة المدى في الجزيرة مثل «ثاد» و«باتريوت» لاعتراض أي صواريخ تتجه من الشرق إلى الغرب، والاستحواذ على غرينلاند ضروري للغاية لمشروع «القبة الذهبية» الذي يبنيه الرئيس ترامب.

ثانياً: عش للصواريخ

ترى الولايات المتحدة في جزيرة غرينلاند المكان المناسب لنشر كل الصواريخ التقليدية والتي تستطيع أن تحمل رؤوساً نووية، وهو ما يعطي الولايات المتحدة مساحة وحرية مناورة أكبر حال استئناف الحوار الاستراتيجي حول الصواريخ خصوصاً اتفاقية «أي إن إف» التي انسحبت منها روسيا والولايات المتحدة منذ أغسطس 2019.

ثالثاً: روسيا والصين

تخشى الولايات المتحدة أن تسيطر روسيا أو الصين أو كليهما معاً استراتيجياً على الجزيرة عبر الاستثمارات الصينية الضخمة في البنية التحتية والموانىء حيث لا توجد طرق برية في غرينلاند بسبب الجليد، وتاريخياً تعتمد غرينلاند على الدنمارك في تمويل جزء رئيسي من إنفاق الحكومة المحلية للجزيرة نحو 250 مليون دولار سنوياً، وهناك تخوف أمريكي أن يحل المال الصيني محل المال الدنماركي، وتخشى واشنطن كذلك انتشار الغواصات الروسية وخاصة النووية منها في الحديقة الشرقية للولايات المتحدة بالقرب من جزيرة غرينلاند.

رابعاً: فجوة غرينلاند-آيسلندا-بريطانيا

تقع غرينلاند على الطرف الغربي لما يعرف استراتيجياً بفجوة غرينلاند - آيسلندا - المملكة المتحدة، وهو الممر البحري الذي يربط بين القطب الشمالي وشمال المحيط الأطلسي، وسيطرة الجيش الأمريكي على غرينلاند يسمح للبنتاجون بمراقبة السفن الصينية والروسية التي تمر من هناك.

خامساً: تأمين القطب الشمالي

يرى المكتب البيضاوي أن السيطرة على غرينلاند هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة وشركائها في القطب الشمالي الذي يمثل مصدر الرخاء والثروة للأجيال الأمريكية القادمة خصوصاً في ظل الهيمنة الروسية شبه الكاملة على القطب الشمالي.

سادساً: المعادن النادرة

يراهن البيت الأبيض على جزيرة غرينلاند لتحقيق التوازن مع الصين في مجال المعادن النادرة التي تدخل في صناعات البطاريات والهواتف والسيارات الكهربائية والأقمار الصناعية حيث تهيمن الصين على السوق العالمي للمعادن النادرة، وتعد المعادة النادرة هي «المنطقة الرخوة» لدى واشنطن في أي محادثات تجارية بين الولايات المتحدة والصين حيث تهيمن الصين على أكثر من 90% من احتياطيات المعادن النادرة، وتعتبرها ورقة قوية تلوح بها في وجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

سابعاً: الطرق البحرية الجديدة

هناك تقدير أمريكي بأن ذوبان الجليد سوف يتسارع في العقود القادمة، وهو ما يخلق فرصاً لخطوط ملاحية جديدة تربط الشرق بالغرب، وتقع جزيرة غرينلاند في القلب من هذه التقديرات، ولكي يكون القرن الحالي قرناً أمريكياً تحتاح الولايات المتحدة للسيطرة على خطوط الملاحة وسلاسل الإمداد الجديدة.

سيناريوهات

في ظل إصرار الرئيس ترامب على شراء غرينلاند، ورفض الدنمارك وسكان الجزيرة لأي فكرة حول السيطرة الأمريكية يبدو هناك أكثر من سيناريو لهذه القضية، وهذه السيناريوهات هي:

الأول: الغزو العسكري

ويشجع على هذا السيناريو عدم وجود قوات يمكن أن تعترض الجيش الأمريكي في الجزيرة، ووجود قوات أمريكية بالفعل على أراضي غرينلاند، لكن هذا السيناريو له تكلفة سياسية وأمنية ضخمة، ويمكن أن يقود لتدمير العلاقات الأوروبية الأمريكية، ويقود إلى تفكيك حلف دول شمال الأطلسي «الناتو».

الثاني: الاستفتاء

حتى الآن لم يقدم ترامب عرضاً مالياً مغرياً لشراء الجزيرة، وحينما جرى الحديث عن منح كل مواطن في الجزيرة 10 آلاف دولار تحدث الآخرون عن التريليون التي يمكن أن تربحها الولايات المتحدة من الجزيرة، ولهذا هناك اعتقاد أن ترامب سوف يقدم عرضاً مالياً جديداً قد يغير بعض القناعات خصوصاً لدى سكان الجزيرة.

الثالث: الارتباط الحر

ويقوم على احتفاظ الجزيرة باستقلالها الرسمي مقابل أن تمنح الولايات المتحدة والجيش الأمريكي فعل ما يراه في الجزيرة دون العودة لحكومة غرينلاند.

الرابع: الدبلوماسية الناعمة

إذا استمر رفض العرض الأمريكي يمكن لواشنطن أن تلجأ إلى خيار «الدبلوماسية الناعمة»، كما فعلت منذ عام 2020 عبر ضخ مزيد من الاستثمارات في الجزيرة، ودعم سكانها حتى لا يكونوا في حاجة للاستثمارات الصينية، فقد قامت الولايات المتحدة بإعادة افتتاح قنصليتها في العاصمة «نوك»، ويمكن أن تواصل هذا النهج للحفاظ على موقع متقدم على روسيا والصين في الجزيرة.

******

المؤكد أن قضية غرينلاند سوف تشكل اختباراً ليس فقط لقوة العلاقات الأمريكية مع الدنمارك، بل لقوة العلاقة بين ضفتي الأطلسي، وفي نفس الوقت تطرح سؤالاً جوهرياً حول ماهية رد الفعل الدولي حال حاول الآخرون تقليد سلوك البيت الأبيض انطلاقاً من مخاوف أمنية أو قومية.

 

 

[email protected]