«البذيء لا يولد وحيداً، بل في حضن جمهور جائع».
في الماضي القريب، كان لكل حيّ سفيهه المعروف، ذاك الذي يقف في المقهى ويوزع الشتائم يميناً ويساراً. وقتها، كان الناس يملكون دواءً بسيطاً: التجاهل. أو ربما الصمت، أو حتى مواجهة مباشرة تنهي الموضوع عند حدود الفريج. أما اليوم، فالمشهد اختلف تماماً. السفيه لم يعد منبوذاً، بل صار «صاحب الحفل» في ميدان رقمي لا سقف له، ونحن أصبحنا نموّل هذا السفه بأثمن ما نملك: انتباهنا.
بصراحة، رأيت هذا التناقض مراراً. يقول أحدهم إن هذا «المؤثر» تافه ولا يستحق المتابعة، ثم بعد دقائق تجده يضحك على فيديوهاته. نكرههم، لكننا نشاهدهم. ننتقدهم، لكننا نسهم في نشرهم. ليس نفاقاً بالضرورة، بل فخ رقمي نقع فيه جميعاً. نكره السفيه بعقلنا، لكن شيئاً ما يجذبنا إليه، لأنه يمارس الوقاحة التي نخشاها، ويقول ما تمنعنا عنه تربيتنا. كأنه يرتكب «الخطيئة» بالنيابة عنا، ونحن نمنحه الشهرة. نحن من نصنع البذيء، ثم نتظاهر بالبراءة.
وأكثر ما يقلقني فعلاً هو ذلك «المحارب المخدوع». أعرف شخصاً، كان هادئاً جداً، لكنه انقلب مع إحدى القضايا المشتعلة على وسائل التواصل. بدأ يشتم، يسفّه، ويسبّ، كان يظن، بصدق، أنه يدافع عن الحق. مرّت سنتان، وانتهت القضية بمصالحة عابرة، لكن تغريداته بقيت هناك. عندما تلاقينا مؤخراً قال لي: «القضية ماتت، أما كلامي فبقي حياً يطاردني». هو كان قلماً مأجوراً دون أن يدري، وعندما انتهى دور القضية، انتهى دوره، لكن سفهه بقي، وبذاءته بقيت.
لكن، هل كل بذاءة سفه؟ لست متأكداً تماماً، فديوجين الفيلسوف عاش في برميل ونام في الشوارع. كان «سفيهاً» في نظر عصره، لكننا ندرّسه اليوم كمفكر عظيم. الفرق هنا هو «الوعي». السفيه يهدم لأنه لا يملك غير الهدم، أما المتمرد فيهدم ليوقظ النائمين. المشكلة اليوم ليست في البذاءة، بل في أنها صارت ضجيجاً بلا هدف.
في عصرنا، أصبحت الخطيئة العابرة وثيقة دائمة. جدي كان يقول أشياء في شبابه، ندم عليها لاحقاً، لكن الزمن كفيل بالنسيان. أما نحن، فمحكومون بأرشيف لا يُمحى. كم منا يجرؤ على نبش تغريداته من خمس سنوات دون أن يشعر برغبة في الاختباء؟ لا أحد يجبرنا على الضغط على زر «إرسال»، أنت المسؤول وحدك. أرشيفك لا يسأل عن نواياك، واسمك سيبقى ملتصقاً بكل كلمة كتبتها، للأبد.
القضايا تنتهي، والخصوم يتصالحون، أما سفهك فيبقى محفوراً في ذاكرة عالم لا ينسى ولا يسامح، فهل أنت مستعد فعلاً لدفع هذا الثمن؟