«لماذا نشعر فجأة بأننا فهمنا كل شيء، بمجرد مشاهدة مقطع سريع أو قراءة خبر عاجل؟».
***
كان يتصفح هاتفه كعادته، مقاطع قصيرة تمر واحداً تلو الآخر، حتى توقف عند وجه مألوف. إعلامي معروف، أمام الكاميرا، بنبرة من يحمل خبراً مهماً: «سأشرح لكم ما حدث» وأكمل المقطع حتى النهاية.
وضع هاتفه جانباً وهو يشعر بشيء يشبه الفهم، ذلك الشعور الدافئ حين تظن أن الصورة اكتملت. وفي الطرف الآخر، أغلق الإعلامي الكاميرا وهو مطمئن أنه أدى ما عليه، وصّل الرسالة، وبسّط المعقد لمن لا وقت لديهم. كلاهما مرتاح. كلاهما مقتنع. لكن كلاهما لم يقترب من الحقيقة خطوة واحدة. ما جرى بينهما لم يكن شرحاً ولا فهماً، بل كان تبادلاً هادئاً لوهم مريح، أحدهما باعه بحسن نية، والآخر اشتراه بحسن نية. وهذا تحديداً ما يجعله أخطر من الكذب.
هذا الامتلاء المعرفي المفاجئ ليس فهماً. هو انطباع صُمِّم بعناية ليمنحك طمأنينة كاذبة. الإعلام الحديث لا يشرح العالم، بل يمنحك إحساس الفهم بدلاً من الفهم نفسه، لأن الاختصار لا يشرح العالم بل يعيد تشكيله. وبين الاثنين فرق شاسع: أن تدرك الحدث، وأن تتبنى نسخةً منه صُنعت لتناسب انحيازاتك.
وفي منطقتنا، تبدو هذه اللعبة مكشوفة لمن يريد أن يرى. ثمة من يندفع لتبني السردية الإيرانية بالكامل رغم تناقضاتها، يهاجم دولاً عربية باسم السيادة والمبادئ، ثم يبتلع الرواية الإيرانية دون غصة، لمجرد أنها وُضعت في قالب يوهمه بأنه جزء من قصة كبرى. ما يُحذف من هذه الحكاية أهم بكثير مما يُقال: تُحذف الأطماع، وتُحذف المصالح، ويبقى فقط الانطباع الذي يخدم الطرف الآخر.
الخطر الحقيقي حين يتحول هذا الانطباع إلى موقف صلب لا يقبل الجدل. الفهم عملية شاقة تحتاج وقتاً وتدقيقاً وتأملاً، أما الرأي فلا يحتاج إلى وقت، يحتاج فقط إلى حكاية تلمس وتراً عاطفياً.
كل رواية واضحة جداً وتفسر كل شيء ببساطة هي رواية تستحق الشك. العالم المعقد ليس بهذا الوضوح السينمائي، وربما السؤال الحقيقي ليس: ماذا يحدث؟ بل: لماذا تريحنا إجابة واحدة بهذا الشكل؟.