يوم 25 يناير.. هو يوم مختلف عن بقية الأيام، نتذكره دائماً، ونعيش تفاصيله على مدار العام، إنه يوم تولي الشيخ سلطان مقاليد الحكم في إمارة الشارقة، والاختلاف في هذا اليوم عن غيره، كونه بداية الانطلاقة لإنجاز كبير إماراتياً وعربياً، اسمه «شارقة سلطان» فهذا الإنجاز هو في الحقيقة بمثابة معجم كتبه سلطان سطراً سطراً، وخط توقيعه عليه بكل ريادة وتواضع.
أبرز ما قدمه لنا صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة منذ ذلك اليوم قبل 54 عاماً، جعله المعرفة «فعل حكم وإدارة»، في كل ما يقوله أو يكتبه أو يتخذه من قرارات.. في كل حواراته ونقاشاته هناك ظل من معرفة، مؤسَس على فهم عميق للجذور قبل علاج المشكلات المختلفة، وقراءة متمعنة للماضي والتجارب السابقة قبل اتخاذ القرار، هي شخصية الحاكم عندما يندمج في مشروع حياته حيث يتماهى معه وتصبح المعرفة هي الهدف والبوصلة وهي المقدمات والأدوات في الوقت نفسه.
في كل توجيهات وقرارات سلطان نلمح هذه السمة، هنا تجده يتحدث بعد استماعه لمشكلة، يأخذها على محمل الجد، فيبحث ويفتش أولاً ثم يعالجها، وهناك يحدثك في ندوة أو أمسية عن قضية عرضت له فيتابع مفاصلها حتى يحلها من خلال دأب من يريد أن يعرف، وحب من يريد أن يسخّر معرفته للناس، وفي الحالتين الأمر لا يختلف كثيراً عندما يعلّق على باحث أو كاتب مصححاً معلومة أو مصوباً نتيجة من خلال المصادر والمراجع الموثوقة، هو نفسه عاشق المعرفة عندما يكتب مسرحية تاريخية تستقصي الماضي، أو عندما يؤلف كتاباً يصحح به صورة ذهنية، في كل هذه الحالات نحن أمام حاكم مثقف جعل المعرفة الهواء الذي يتنفسه، بل حلم كثيراً بأن يتنفس الجميع معه هذا الهواء.
حاكم بهذه السمات لابد أن تدل أفعاله وإنجازاته وآثاره عليه، عندما تتجول في مدينة الشارقة، ستجد هندسةً ومعماراً يدلان على معرفة مميزة، هنا توجه نحو فكرة مخطط لها مسبقاً، تقف وراءها عقلية درست وحللت وخططت وشيدت البناء نتيجة لهذه المعرفة، فنتج عن ذلك مدينة ذات طابع مميز في محيطها العربي.
عندما تستمع إلى مواطني الشارقة، وهم يتكلمون عن والدهم سلطان، ستعثر على الروح نفسها، فهو يستمع ويبحث ثم يحل للجميع مشكلاتهم، ويلبي لهم طلباتهم، ولأبناء الشارقة أن يعتزوا بأبيهم ويفرحوا به، ففي سنوات قليلة تحسنت أوضاعهم المعيشية، وفي سنوات قليلة كانت عملية التوطين لا تهدأ وتجري على قدمٍ وساق، فنحن أمام حاكم، يستمع إلى نبض أبنائه، يعرف أحلامهم، ويقدر همومهم، ويتجاوب مع تطلعاتهم.
في الثقافة مشروع سلطان الأقرب إلى قلبه، هناك معرفة وخطة واستراتيجية، ولنا أن ننظر إلى اهتمام سموه باللغة العربية، تلك التي بدأت بإنشاء مجمع لها في الشارقة، وكانت الخطوة التالية المعجم اللغوي، أي إننا أمام منظومة معرفية متدرجة ومتكاملة، والحال نفسها في المسرح، فبعد إطلاق حزمة مهرجانات محلية تغطي زوايا مسرحية عدة انتقل الفعل المسرحي إلى العالم العربي، ما يشكل حالة من التناغم.
المعرفة عند سلطان تتأسس على معلومة، وفي سبيل المعلومة هناك جهد، وكثيراً ما شاهدناه يتكلم عن سفره وراء مخطوطة في هذا المكان أو ذاك، يعقب المعلومة درس وتمحيص ثم اتخاذ القرار، وكلها سمات للحكم الرشيد الذي تميز به سلطان لأكثر من نصف قرن، قضاها الحاكم المثقف في خدمة البلاد والعباد.
نصف قرن من الحكم المؤسَس على المعرفة، وسلطان «لا يكل ولا يمل»، لا يدخر جهداً في تجديد الشارقة وتجميلها والوصول بها إلى مراكز حضارية متقدمة، حتى كانت في عهده عاصمة للثقافة العربية، وعاصمة للسياحة العربية، وعاصمة عالمية للكتاب، هذه الألقاب لم تكن من فراغ، وكلها تترجم نجاح المشروع المعرفي لسلطان، وتؤكد من جانب آخر أن المعرفة في الشارقة بنية حكم، ضرورة وليست رفاهية، حاجة ملحة في تاريخ السياسة العربية طالما تشوّق إليها المحللون والمنظرون والكتّاب.
باتت المعرفة في الشارقة فعل حكم، نستمتع بها جميعاً، ندرك أن هناك من يتابع ويتفاعل ويتخذ القرار الصائب، ولذلك نحن نشعر بالأمان والسكينة والهدوء، لا نخاف من عشوائية أو قرارات غير مدروسة، بل نعلم أن ما يخطط له وينجز دائماً يكون في صالح الوطن والمواطن.
نصف قرن من الحكم الرشيد، الذي يضع الإنسان أولاً.. وجدناه حاكماً يحدثنا عن تفرغه لفترة من الوقت لكي يسأل ويعرف عن أدق تفاصيل تكاليف الحياة ثم يأتي قراره بوضع حدٍ أدنى للأجور يلبي هذه الاحتياجات، وجدناه يتحدث معنا في الشأن اليومي مثل الأب المتابع المهموم بأحوال أولاده وأسرته، وجدنا مفكراً يصحح لهذا الكاتب معلومة ربما تؤثر بالسلب في وعي جيل.
كنا هنا في الشارقة على موعد منذ 54 عاماً مع الحكم الرشيد المؤسَس على المعرفة، كنا على موعد مع سلطان القلوب، فله كل الشكر والاحترام.
سلطان.. حُكم الرشد والمعرفة
26 يناير 2026 00:02 صباحًا
|
آخر تحديث:
26 يناير 09:11 2026
شارك