هل سبق وشعرت بأن هنالك أوقاتاً يغيب فيها العالم الخارجي تماماً وتتوقف فيها أصوات أفكارنا المزعجة ليحل محلها صمت مطبق واتصال عميق بما نقوم به، كأننا نتحول من القيام بمهمة روتينية إلى التركيز العميق الخالص الذي لا يشوبه تردد؟ قد نجد أثناء يومنا هذا الشعور حين نغرق في كتابة نص، أو رسم لوحة، أو حتى ترتيب فوضى ما، حيث يبدو الأمر وكأن الزمن يذوب ويتلاشى الضجيج ويصبح كل ما يهم هو تلك الحركة القادمة والخطوة التالية التي تنساب منا بذكاء فطري لا يحتاج إلى تفكير طويل.
وجدت عندما فكرت أكثر بالأمر، أن هذه الحالة من التركيز المطلق ليست مجرد انضباط ذهني نقرره نحن، بل هي حالة معينة تجعل من الجهد متعة ومن الصعوبة تحدياً رائعاً. شعرت وكأننا نكون في قمة إنسانيتنا وإبداعنا حين نصل إلى هذا التوازن الدقيق بين مهاراتنا وعظمة المهمة التي بين أيدينا. في تلك المنطقة الساحرة، لا نعود نشعر بالتعب أو الجوع أو حتى بمرور الساعات، لأننا نعيش في «الآن» بكل ما نملك من قوة وحضور، وهذا هو المعنى الحقيقي للإنجاز الذي يغذي الروح قبل أن يملأ السجلات وقبل أن يكون الهدف الانتهاء من مهمة نحن مكلفون بها.
عندما وجدت أن هذه الحالة مثيرة للاهتمام وتساعدنا فعلاً على التركيز، بحثت وقرأت بعض المقالات والدراسات عنها، أثناء ذلك لاحظت أن العلم قد نتبع أثره في عقول المبدعين والمتميزين في العديد من الدراسات، وإحدى أكثرها إثارة للاهتمام، هي ما استعرضه باحث يدعى ميهالي تشيكسينت في كتابه الشهير - Flow: The Psychology of Optimal Experience- الذي يتناول سيكولوجية اسمها «التجربة المثلى»، وهذا الكتاب كان نتيجة لبحث استقصائي استمر لسنوات في جامعة شيكاغو، قام خلاله بإجراء مقابلات عميقة مع مئات الأشخاص من مختلف المجالات مثل جراحي القلب ولاعبي الشطرنج المتمرسين والمزيد، ووجد أنهم جميعاً يصفون شعوراً موحداً يشبه الانزلاق مع تيار مائي جارف يحملهم نحو الإنجاز دون جهد واع، وذكرت الدراسة حول ذلك أنها: «حالة من الانهماك الكامل في نشاط ما لدرجة أن لا شيء آخر يبدو مهماً والتجربة في حد ذاتها تكون ممتعة للغاية لدرجة أن الناس سيقومون بها حتى بتكلفة باهظة من أجل متعة القيام بها فقط».
إن الوصول إلى حالة التدفق يتطلب منا الشجاعة لتركيز انتباهنا بالكامل، وتجاوز الخوف من الفشل، أو رغبة الظهور بمظهر المثالي. نحن بحاجة إلى أن نجد ذلك الشغف الذي يجعلنا نغيب عن أنفسنا لنجدها في قلب العمل.
إن التدفق هو تذكير لنا بأن السعادة لا تأتي من الراحة السلبية فقط، بل من الانخراط العميق في مواجهة الحياة والاندماج معها بكل تعقيداتها. كل إنسان يمتلك مفتاح هذه الحالة في داخله، وكل ما نحتاج إليه هو أن نتوقف عن مراقبة عقارب الساعة ونسمح لأنفسنا بالانغماس في جمال ما نقوم به.