قد نلاحظ أن قلوبنا تميل أحياناً إلى تقدير الأشياء حين توشك على الرحيل، أو عندما نشعر بأنها قد تفلت من بين أيدينا. من الممكن أن نتجاهل فرصة متاحة أمامنا لشهور طويلة، ولكن بمجرد أن يخبرنا أحدهم أنها المرة الأخيرة التي ستتوفر فيها، أو أن الكمية قاربت على النفاد، نشعر برغبة عارمة ومفاجئة في الحصول عليها، أو نندفع لشراء منتج ما أو التشبث بموقف معين ليس لقيمته الحقيقية، بل لخوفنا من أن نكون أولئك الذين فاتهم القطار، وكأن الندرة تمنح الأشياء روحاً وجاذبية لم تكن تملكها من قبل.
النفس البشرية تربط الندرة بالتميز بشكل غير واع، فكلما كان الوصول إلى الشيء صعباً أو محدوداً توهمنا أنه يحمل قيمة استثنائية تفوق المعتاد. نحن لا ننجذب للنادر لأنه الأفضل دائماً، بل لأننا نخشى فقدان حرية الاختيار في المستقبل. هذا الشعور بالضغط الزمني أو النقص المتوقع يسرق منا هدوءنا ويجعلنا نتخذ قرارات انفعالية، لأننا نظن أننا نمتلك فرصة لن تتكرر، بينما الحقيقة أننا قد نكون وقعنا في فخ نفسي يعيش بداخل وعينا ويحركنا نحو ما هو بعيد المنال.
ولفهم هذا النوع من الفخاخ النفسية التي تحرك رغباتنا بشكل لا إرادي، نجد أن العلم قد وثق هذه الظاهرة بتجارب بسيطة في ظاهرها، ولكنها عميقة في دلالاتها حول السلوك البشري. في تجربة بحثية أجراها الباحث ستيفن ورشيل، من جامعة فرجينيا، تم تقديم علبتين من البسكويت للمشاركين، احتوت الأولى على عشر حبات بينما احتوت الثانية على حبتين فقط من نفس النوع تماماً، والمذهل هو أن المشاركين قاموا بتقييم البسكويت الموجود في العلبة شبه الفارغة بأنها أكثر جودة وأعلى قيمة مادية وأكثر جاذبية من البسكويت المتوفر بكثرة، وذكر الباحثون في دراستهم أن «النتائج أظهرت أن قطع البسكويت المتوفرة بكميات نادرة تم تقييمها على أنها مرغوبة أكثر من القطع المتوفرة بكثرة». إن هذا التأثير يفسر لنا الكثير من اندفاعاتنا في عالم الاستهلاك أو حتى الاهتمامات، حيث تترجم عقولنا النقص على أنه دليل قطعي على الجودة، وتترجم الوفرة على أنها دليل على العادية والملل. الوعي بهذا الفخ النفسي هو وسيلة لاستعادة توازننا النفسي، لكي نتوقف قليلاً ونسأل أنفسنا بصدق: هل نحتاج هذا الشيء فعلاً لذاته، أم أننا فقط نخشى أن يختفي من أمام أعيننا؟ الحكمة تكمن في أن نرى الأشياء كما هي في حقيقتها، وليس من خلال نظرة التوفر أو النقص، فليس كل نادر ثميناً بالضرورة، وليست كل وفرة تعني فقدان المعنى والقيمة.
[email protected]