السلام الداخلي لا يهدده ما يفعله الآخرون، بقدر ما تهدده التفسيرات التي نضعها نحن لأفعالهم، لذلك قد نلاحظ أننا في لحظات الضيق نتحول إلى قضاة على نيات الآخرين، فنرى في صمت الصديقة تجاهلاً متعمداً، وفي تأخر الزميلة استهتاراً بمكانتنا، وكأننا نعيش في عالم يتربص الجميع فيه بنا.
نجد هذا في مواقف عابرة أخرى أيضاً، مثل شخص اصطدم بنا في زحام أو رسالة لم يأتِ الرد عليها فوراً، فتقوم عقولنا برسم سيناريوهات معقدة تحوّل المواقف العابرة العفوية إلى هجوم، والصدفة إلى خطة محكمة لإيذائنا. هذا الأسلوب في تفسير السلوكيات على أنها نابعة من نية عدائية هو ما يسرق ودية التواصل، ويدمر جسور الثقة قبل أن تبنى. كأننا نرتدي عدسات مشوهة تجعلنا نرى العدوان في كل زاوية، ما يدفعنا إلى اتخاذ مواقف دفاعية أو هجومية استباقية. لو حللنا الأمر من زاوية أخرى، قد نلاحظ أن ما نراه في الآخرين هو غالباً انعكاس لما يدور في أعماقنا من مخاوف وشكوك، فالعقل حين يفتقر إلى المعلومة الواضحة يميل لملء الفراغات بأقسى الاحتمالات الممكنة التي يتوقعها حماية لذاته الجريحة. الباحثون تتبعوا جذور هذه الظاهرة وكيفية تشكلها في ردود أفعالنا، ففي دراسة أجراها باحث يدعى كينيث دودج، من جامعة ديوك، حيث تم إجراء سلسلة من التجارب ركزت على عرض مقاطع فيديو لمواقف اجتماعية «مستفزة» تقع بين مجموعة من الأقران، طلب فيها من المشاركين تفسير النيات الكامنة خلف تلك التصرفات. لقد كشفت التجربة أن الأشخاص الذين يميلون للعدوانية التي تظهر كفعل غاضب مفاجئ هم فقط من أظهروا عجزاً في قراءة الإشارات الاجتماعية، ووقعوا في فخ سوء الظن، حيث ربطت الدراسة بين هذا الانحياز وردود الفعل العنيفة غير المخطط لها. وذكر الباحث في دراسته: «إن سوء الظن بنوايا الآخرين والفشل في فهم دوافعهم الحقيقية هو ما يولّد الغضب الانفعالي».
إن النضج الحقيقي يبدأ حين نمتلك الشجاعة للتعامل مع الأمور التي بداخلنا أولاً، وأن ندرك أن العالم ليس متمحوراً حولنا لدرجة أن يخطط الجميع لإيذائنا في كل حركة ومكان، والوعي بطريقة تفكيرنا هو خطوة جيدة نحو التحرر من سجن الظنون السلبية، والإكمال في هذا الطريق نحو التغيير سيمنحنا القدرة على بناء علاقات مبنية على الرحمة والتماس الأعذار بدلاً من التربص والتحفز. وعندما نطهر نوايانا وأفكارنا، سنرى أن الكثير من المواقف التي كانت تزعجنا لم تكن إلا عثرات بشرية عفوية لا تستحق منا كل هذا العناء والخصام.
الأحكام في عقولنا
30 يناير 2026 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
30 يناير 00:07 2026
شارك