يلخص منح الرئيس البرتغالي صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أعلى وسام ثقافي في البلاد، لحظة فارقة تتعدد دلالاتها ورموزها، وما تحمله بين سطورها. لحظة تعكس قروناً من العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية بين البرتغال والعالم العربي، وتؤكد مرة أخرى أن بإمكان الثقافة أن تفعل الكثير.
بإمكان الثقافة، أن تتجاوز الماضي، وأن تقرب بين مختلف الأطراف، وأن تؤسس لحوار حضاري، وترسخ لصداقة متينة بين الشعوب، وأيضاً بين البشر، بغض النظر عن أي شيء آخر، وهي لحظة تدفعنا من جهة أخرى لنتأمل في مغزاها، وما يعنيه منح سموّه هذا الوسام.
الشيخ سلطان هو أول عربي يحصل على هذا الوسام، والسادس عالمياً، وهي مسألة لم تأتِ من فراغ، فسموّه أمضى عقوداً طويلة في محبة الثقافة، وفي خدمتها، وفي حمل أعبائها. بدأ الأمر بالثقافة المحلية، ثم تطور إلى المحيط العربي، وامتدت جهوده إلى الثقافة في العالم. جعل من الشارقة مدينة تشع بالعلم والمعرفة، وأكمل الشغف بمشروعات تحلق في مختلف الأقطار العربية، ولم يترك مكاناً في العالم إلا وذهب إليه، محاضراً، أو باحثاً عن كتاب أو مخطوطة، أو مؤسساً لهذا المعهد أو ذاك المركز، بات معروفاً في العالم كله بأنه يحب الثقافة ويضعها في العقل قبل القلب، ويجعلها ممارسة يومية، وأجندته اليومية لا تخلو من فعل ثقافي، فهو لا يتوقف عن القراءة أو الكتابة أو المتابعة الحثيثة لكل فعل ثقافي.
على المستوى الإبداعي والأكاديمي تناغمت مؤلفات سلطان مع جهوده التي لا تهدأ، فأنت على موعد مع قراءة لمسارات التاريخ بعيون مراقب معاصر، يحذرنا من تكرار أخطائنا، أو ينبهنا إلى جذور مشكلات معاصرة، وفي هذه الرواية نحن نطالع أحداث سلسلة ممتعة، وفي هذا الكتاب نقف أمام بحاثة لا يترك شاردة ولا واردة إلا ويفتش في أبعادها ليكتب للقارئ الحقيقة، إدراكاً منه أن التاريخ أمانة، وأن المؤرخ صاحب رسالة، بإمكانه أن يمهد الطرق أمام أجيال إذا أخلص النوايا وعقد الهمة والعزم، وبإمكانه أن يفعل العكس ويضلل الآخرين ويزوّر الوقائع.
أخذ سلطان على عاتقه تصحيح الصور الذهنية المغلوطة التي تراكمت عبر التاريخ، وإقامة حوار حضاري على أرضية التاريخ مع الآخرين، حوار يتسم باتساع الصدر والتفهم لما مضى وفات، وفتح صفحات جديدة مكتوبة بمداد التسامح، ومن هنا نفهم كلمته خلال حفل منحه الوسام: «عندما أنظر لهذا التاريخ الآن أرى ماضياً أنصفته الثقافة، وأرى حاضراً من التعاون بنته الثقافة، وأرى مستقبلاً تبشرنا الثقافة بأنه سيكون كما يليق بمستقبل أبنائنا»، هو بالفعل ماض أنصفته الثقافة، وبقلم سلطان في أكثر من عمل أتحفنا بها سموّه.
ومن كان له شرف حضور حفل تقليد سموّه لهذا الوسام من قبل الرئيس البرتغالي مارسيلو ريبيلو دي سوزا، والحفاوة التي لمسها الجميع في القصر الرئاسي، والكلمات الدافئة التي وُصف بها سموّه، يدرك حجم الإنجاز الذي قدمه الشيخ سلطان للمكتبة العالمية، وحجم التقدير البرتغالي لهذا العمل الكبير الذي هو مقدمة لعمل جديد سيقدمه سموّه في معرض الشارقة للكتاب نوفمبر المقبل..
حصول سلطان على هذا الوسام، يؤكد ثقل الثقافة العربية وأهميتها بالنسبة للبرتغال، ويؤكد أيضاً أهمية ووزن سموّه العلمي في مختلف المحافل الثقافية العالمية، ويترجم تلك العلاقات الطويلة مع البرتغال، علاقات مرت بلحظات عاصفة في الماضي، تجاوزتها الثقافة، وباتت علاقات نموذجية لما يمكن أن يكون عليه التعاون بين الأمم والشعوب، ففي العام الماضي افتتح سموّه مركز الدراسات العربية في جامعة «كويمبرا» البرتغالية.
يقول صاحب السموّ حاكم الشارقة في حفل تكريمه بالوسام: «الثقافة حاجة وغيابها كلفة كبيرة»، وهي قناعة عمل عليها طوال عمره، لم تكن الثقافة يوماً بالنسبة له رفاهية، ولكنها ضرورة حياتية لا يمكن الاستغناء عنها، بإمكانها أن تتجاوز الخلافات، وتزرع السلام، وترتقي بنفوس البشر، وتترفع بهم فوق الضغائن، وتؤثر في الآخرين، وتقرب بين الفرقاء.
الثقافة أداة بناء في صرح الحضارة، ورعايتها والاهتمام بها درس حضاري لكل من قرأ التاريخ، وسلطان عاشق للتاريخ ويعرف جيداً قدرة الثقافة وطاقتها، وما يمكن أن تقدمه لوطنها وأمتها، وما تختزنه من قوة تستطيع من خلالها فعل المستحيل.
الشيخ سلطان يعيش تفاصيل الثقافة، دعمها بإمكانات كبيرة، فعل ما لم تقم به مؤسسات كاملة، استثمر فيها لنفسه ولأولاده وأمته، وها هو اليوم يحصد بعض الثمار في هذا التكريم الغالي على قلب كل عربي له أن يفخر بحاكم جعل الثقافة شغله الشاغل، فوضعه العالم فوق العين والرأس.