مثلما كان تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945 علامة نظام جديد يستهدف حفظ الأمن والسلم الدوليين بعد الحرب العالمية الثانية، تتراكم الممارسات التي تشي بمولد عهد عالمي مغاير لما استقر منذ نشأة المنظمة، إن لم يكن بغيابها الكلي وظهور بدائل لها، فببقائها لكن مع تغييب دورها والاعتماد على صراع أقطاب يحتكم دوماً إلى القوة وحدها.
والممارسات المتجاوزة لدور الأمم المتحدة ليست جديدة، فمنذ تأسيسها، عرف العالم التفافاً على دورها ومواثيقها لغزو دول أو احتلالها أو الاعتداء على سيادتها وهيبة قادتها. وهذه التصرفات تعاقبت على فترات متقاربة في السنوات الأخيرة، بل إن أحداثاً مكثفة في الشهور الماضية تقول إن هذا هو نهج التعامل الدولي الجديد، وإن تجلياته ستتوالى في أكثر من دولة حول العالم.
لم يعد للأمم المتحدة كلمة فصل في النزاعات المتفجرة حول العالم، وأصبح تفسير الأمن والسلم الدوليين رهن ما تراه قوة واحدة ومن تشمله بحمايتها، فلا معنى لسيادة ولا ثروة ولا تفاهمات إلا الذي تفرضه على البقية، ولا حقوق لشعوب إلا ما تقرره، أو بالأحرى تجود به وتنتظر عليه شكراً.
في ضوء ذلك، نشأ ما يشبه اليقين بأن عالماً جديداً على وشك التشكل تغيب عنه الأمم المتحدة أو تبقى عاجزة بلا دور، كما نراها في غزة وأوكرانيا وغيرهما من مناطق القلق الدولي والقضايا الشاغلة للعالم التي نُقلت مسؤولياتها إلى مبعوثين وممثلين لدولة واحدة تؤسس للتفرد باعالم.
وتجاوز دور المنظمة الدولية والخروج من مؤسساتها، ما يعني التنصل من أي اتفاقيات أو تفاهمات، هو بداية التعجيز المتواصل الآن بحرمان المنظمة الدولية من مخصصاتها المادية وصولاً إلى شللها التام.
على هذا، يمكن فهم صرخة أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، اللافتة إلى قربها من انهيار مالي، إن استمرت بعض الدول في عدم الإيفاء بمستحقاتها.
ورغم أن الأمين العام للأمم المتحدة لم يسمِّ دولاً، فإن الولايات المتحدة في طليعتها، وإن حصارها للمنظمة هو أساس هوانها الراهن على معظم الأمم التي نشأت من أجل حفظ أمنها وسلامها.
لم يعد بوسع الأمم المتحدة تجاوز عثراتها المالية وسط تخلي بعض الدول عن التزاماتها التي تموّل جزءاً كبيراً من ميزانيتها العادية التي لن تساعدها على بلوغ منتصف العام إذا لم يتغير الوضع.
والمؤكد أن الوضع لن يتغير في ظل سعي الولايات المتحدة تحديداً إلى تغييب المنظمة أو تهميشها، ومن صور ذلك تقليصها تمويلها لبعض وكالات المنظمة الأممية، والانسحاب من البعض الآخر، ورفض أو تأخير بعض المدفوعات الإلزامية منذ بدء الولاية الثانية لدونالد ترامب قبل عام.
واستمرار العجز المالي يعني أن المنظمة وحدها المعنية بتعويضه إن أرادات الخروج مما سمّاه أمينها العام «الحلقة مفرغة» وسط «انقسامات جيوسياسية مدمِّرة وانتهاكات فاضحة للقانون الدولي» الذي يبدو أن صيغته القديمة إلى زوال وشيك.
صرخة الأمم
1 فبراير 2026 01:05 صباحًا
|
آخر تحديث:
1 فبراير 01:05 2026
شارك