لا يفهم المرء ما يحدث سوى أن تَغَيُّرات تنساب إلى وجدانه وعقله وإحساسه بالحياة، هو في طريقه إلى قريته، بعد غياب طويل، تتلاحق على مخيلته نمنمات صغيرة من ذكريات في طفولته، الحقل والساقية والشيخ مسعود مدرس القرآن والسهر على المصطبة تحت النجوم الزاهرة في الليالي المعتمة، وغناء الفلاحات في الأعراس، والسباحة في بحر شبين. والفلاحون المصريون في الدلتا يسمون النيل بحراً، وشبين هي عاصمة محافظة المنوفية التي تعاقب منها ثلاثة رؤساء على حكم مصر منذ رحيل جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970، والعبد لله ليس من هواة التشبث بالماضي، والحنين إليه وتَمنّى استرجاعه، فقد تعلم على يد أستاذ عظيم قال له: لو في عمرك يوم واحد اجعله أمامك وليس خلفك.
فعلاً الماضي لا يُسْترجع، فقط يمكن التعلم منه بفهم تجاربه وتراثه، وتحديثها في بناء مستقبل أفضل، والماضي هو معضلة بعض تيارات منسوبة إلى الإسلام ظلماً، إذ تحاول استعادته بأي طريقة حتى لو كانت عنفاً، بينما تاريخ البشرية لا يعرف ماضياً قد عاد بأي شكل، حركة الإنسان دائمة إلى الإمام، وكل حضارة تتجاوز بالضرورة سابقتها في المعارف والانجازات، والأمم التي تحاول تفسير حاضرها ومستقبلها بماضيها هي أمم مهددة حضارياً، ربما تتمتع بالوجود المادي مثل كل كائنات الدنيا دون وجود حضاري ذات قيمة.
بالرغم من هذا، قطع المسافة بسيارته وشيء من السحر يضربه، يرشه بالألق والبهجة، كان عمدة قريته قد ابتكر حفلاً في إجازة نصف السنة الدراسية الحالية، يكرم فيه المتميزين من رجال القرية ونسائها وشبابها وتلاميذها: الأم المثالية، فلاح العام الأكثر إنتاجاً، رجال القرية الذين يشغلون مناصب عامة وخدموا أهلها، الأوائل في شهادات التعليم العام، المتفوقين من حفظة القرآن الكريم.
كان مدعواً لحضور حفل التكريم الذي يجرى لأول مرة بالقرية، العمدة نفسه مهندس بترول عاش في الولايات المتحدة 17 عاماً، ولف نصف الكرة الأرضية، قبل أن يعود إلى مسقط رأسه ويحل محل أبيه في المنصب بعد وفاته.
حين وصل إلى القرية كانت الوشوش باشّة، عطر الفرح يفوح من كل شبر فيها، راح العمدة يوزع الجوائز فخوراً، كانت هدايا بسيطة، لكنها عميقة المعنى، يحتضنها الفائزون بعيون لامعة وأمل فارد أشرعته.
كان نسيم من التفاؤل والمحبة والولع يهبّ على القرية الصغيرة، فكرة شعبية تشعل إرادة النجاح والتفوق.

[email protected]