يشهد اليسار الأوروبي تحوّلات عميقة في مقارباته السياسية والتنظيمية، مدفوعة بتغيّر البنية الاجتماعية للمدن واتساع التنوّع الثقافي والاقتصادي فيها. أصبحت القضايا الحضرية، مثل السكن والبيئة والعمل والخدمات العامة، محوراً لإعادة صياغة الخطاب اليساري وبناء تحالفات جديدة. وفي هذا السياق، تظهر المدن كساحات مركزية لاختبار قدرة اليسار على تمثيل فئات اجتماعية متعدّدة وصياغة سياسات تستجيب لواقع أوروبي متحوّل.
الانقسام أصبح عاملاً حاسماً في إعادة رسم الخريطة السياسية لليسار
يأتي كتاب «الديمقراطية الاجتماعية والسياسة الحضرية: استجابات الأحزاب لتنوّع اليسار في المدن الأوروبية» من تحرير نيك براندال وأويند براتبرغ، في لحظة تشهد فيها المدن الأوروبية تحوّلات سياسية واجتماعية عميقة، تجعل الفضاء الحضري مركزاً لإعادة تشكيل اليسار. يقدّم هذا العمل قراءة تحليلية لمسار الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية داخل المدن، حيث تتقاطع قضايا التنوّع الاجتماعي والتحوّل الطبقي مع أسئلة التمثيل السياسي وصياغة البرامج العامة، ضمن سياق أوروبي يتّسم بتبدّل أنماط التصويت وتحوّل أولويات الناخبين. وتظهر المدينة في هذا السياق كحقل سياسي كثيف، تتكثّف داخله التفاعلات بين الاقتصاد، والهوية، والتنظيم الحزبي.
ينطلق الكتاب الصادر عن مطبعة جامعة مانشستر البريطانية في أكتوبر/تشرين الأول 2025، من توصيف البنى الاجتماعية في المدن الأوروبية، حيث باتت الحياة الحضرية محكومة بتنوّع مهني وثقافي متزايد، وتوسّع قطاعات العمل الخدمي والمعرفي، وتحولات في أنماط الاستقرار والسكن. تُظهر هذه المقاربة أن الانقسام الحضري–الريفي أصبح عاملاً حاسماً في إعادة رسم الخريطة السياسية لليسار، مع انتقال مركز الجاذبية الانتخابية نحو المدن الكبرى. كما يوضّح التحليل أن الجغرافيا الانتخابية لم تعد انعكاساً مباشراً للطبقة فقط، بل نتيجة تداخل معقّد بين الموقع الاجتماعي، وأنماط العيش، والتموضع الثقافي داخل الفضاء الحضري.
انقسامات جديدة داخل اليسار
تُظهر أقسام الكتاب الأولى أن المدينة الأوروبية لم تعد مجرد إطار مكاني للسياسة، بل بنية اجتماعية منتجة لانقسامات جديدة داخل اليسار. فتحليل البنى الاجتماعية في المدن، إلى جانب تطوّر الفجوة الحضرية–الريفية، يكشف عن انتقال مركز الثقل السياسي نحو فضاءات حضرية تتسم بتنوّع مهني وثقافي متزايد. وتُبيّن دراسات الجغرافيا الانتخابية أن هذا التحوّل أعاد رسم خريطة المنافسة داخل اليسار نفسه، حيث بات التنافس بين التيارات اليسارية ظاهرة حضرية واضحة ترتبط بأسواق العمل المدينية وبالتحوّلات التي طرأت على دور النقابات والتمثيل العمالي في الاقتصاد الحضري المعاصر.
يتوسّع الكتاب في تحليل ظاهرة التنافس داخل اليسار في المدن، حيث تظهر الديمقراطية الاجتماعية في مواجهة قوى يسارية راديكالية وحركات خضراء تستقطب شرائح حضرية واسعة، خاصة بين الشباب والطبقات الوسطى المتعلّمة. ويُبرز هذا التنافس تحوّلاً في أولويات السياسة اليسارية، مع تصاعد قضايا البيئة، ونوعية الحياة الحضرية، والعدالة المكانية، إلى جانب المسائل الاجتماعية التقليدية المرتبطة بالعمل والدخل. وتُناقش في هذا السياق علاقة النقابات العمالية بالتحوّلات الجديدة في سوق العمل الحضري، حيث تتغيّر أشكال التنظيم والتمثيل مع تغيّر طبيعة العمل نفسه.

في قسم الاستراتيجيات الحزبية، ينتقل الكتاب من التحليل البنيوي إلى الفعل السياسي المباشر داخل المدن. وتقدّم دراسات رؤساء البلديات في إنجلترا، وتجارب المدن البولندية والدنماركية، صورة عن كيفية تكيّف الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية مع مطالب حضرية متغيّرة عبر سياسات محلية ملموسة. يظهر الحكم المحلي هنا كمختبر سياسي، تُختبر فيه قدرة الأحزاب على الجمع بين الإدارة اليومية للمدينة وصياغة سردية يسارية قادرة على مخاطبة ناخبين متعددي الخلفيات. وتبرز في هذا السياق محاولات إدارة التحوّل البيئي وصعود التيارات الراديكالية ضمن إطار حزبي يسعى إلى الحفاظ على موقعه المركزي داخل اليسار.
يُظهر الكتاب أن الحكم المحلي يمثّل ساحة أساسية لإعادة بناء الثقة السياسية، حيث تتجلّى البرامج الحزبية في سياسات السكن، والنقل، والتخطيط العمراني، والخدمات العامة. وتكشف الحالات المدروسة عن اختلاف المقاربات بين المدن، تبعاً للتاريخ السياسي والسياق الاجتماعي لكل حالة، مع حضور واضح لمحاولات المواءمة بين متطلبات الإدارة الحضرية وضغوط المنافسة الحزبية داخل اليسار.
تأثير قضايا التعدّدية الثقافية والهجرة
يُبرز الكتاب أيضاً أن قضايا التعدّدية الثقافية والهجرة أصبحت من المكوّنات الأساسية للسياسة الحضرية في شمال أوروبا. فدراسة التجارب السويدية توضّح كيف تحوّلت إدارة التنوّع إلى عنصر حاسم في تشكيل علاقة الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية مع المجتمعات المحلية. وتُظهر هذه المقاربات أن المدينة تفرض على اليسار خطاباً سياسياً جديداً يتعامل مع المواطنة، والاندماج، والخدمات العامة باعتبارها قضايا مترابطة تشكّل أساس الشرعية السياسية في الفضاء الحضري.
تتعمّق الفصول في تحليل كيفية تعامل الديمقراطية الاجتماعية مع التحوّلات البيئية وصعود الخطاب الأخضر داخل المدن. وتُعرض تجربة أوسلو نموذجاً لإدارة هذا التحوّل عبر استراتيجيات احتواء وتكيّف، تسمح بإدماج القضايا البيئية ضمن مشروع اجتماعي أوسع. ويبرز في هذا السياق دور السياسات البيئية الحضرية كأداة لإعادة صياغة التحالفات داخل اليسار، وربط القضايا البيئية بالعدالة الاجتماعية.
أما القسم الثالث، فينقل التحليل إلى مستوى التعبئة السياسية والعلاقة بين الأحزاب والحركات الاجتماعية. من خلال مقارنة تعبئة الشباب في فرنسا وإسبانيا، ودراسة التفاعل بين الأحزاب الخضراء والحركات في المدن الألمانية، يتضح أن السياسة الحضرية لم تعد حكراً على التنظيمات الحزبية التقليدية. وتُبرز الفصول الخاصة بأوروبا الوسطى والشرقية، وكذلك التجربة البريطانية، أن بناء تحالف تقدّمي واسع في المدن يقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الحزب والحركة الاجتماعية، حيث تصبح المدينة فضاءً لتداخل العمل المؤسسي مع المبادرات القاعدية، وميداناً لصياغة مشروع يساري أوسع يمتد أثره إلى ما يتجاوز الحدود الوطنية.
تجديد الخطاب اليساري الحضري
في قسم التعبئة السياسية، يسلّط الكتاب الضوء على العلاقة المتغيّرة بين الأحزاب والحركات الاجتماعية داخل المدن. وتُظهر المقارنات بين فرنسا وإسبانيا أن تعبئة الشباب باتت عنصراً مركزياً في تجديد الخطاب اليساري الحضري، مع اعتماد أساليب تنظيمية تتجاوز القوالب الحزبية التقليدية. كما تكشف دراسة الناشطين الخضر في المدن الألمانية عن تفاعل معقّد بين الحزب والحركة، حيث تتداخل السياسة المؤسسية مع العمل القاعدي في تشكيل المجال العام الحضري.
تمتدّ هذه القراءة إلى أوروبا الوسطى والشرقية، حيث تُناقش أدوار الحركات الاجتماعية اليسارية على المستوى دون الوطني، وتأثيرها في إعادة بناء الفضاء السياسي داخل المدن. ويختتم هذا المسار بتحليل تجربة المدن البريطانية في بناء تحالف تقدّمي أوسع، يقوم على الجمع بين قضايا العدالة الاجتماعية والبيئة والمشاركة المجتمعية، ضمن أفق حضري يتجاوز الإطار المحلي نحو رؤية سياسية أشمل.
تخلص فصول الكتاب الختامية إلى أن المدينة الأوروبية أصبحت محوراً أساسياً لفهم مستقبل الديمقراطية الاجتماعية. فداخل الفضاء الحضري تتقاطع التحوّلات الاقتصادية والثقافية مع إمكانات تجديد المشروع اليساري، وتتشكل تحالفات جديدة تعكس تعدّد الهويات السياسية داخل اليسار. يقدّم الكتاب بذلك إسهاماً تحليلياً معمّقاً لفهم السياسة الحضرية كحقل مركزي لإعادة التفكير في الديمقراطية الاجتماعية الأوروبية.