من الأمور التي لاحظتها، أننا غالباً ما نبدأ يومنا بوعود فضفاضة لأنفسنا، سنأكل طعاماً صحياً، وسننجز كل مهام العمل، ولن نستسلم للمشتتات، لكن ومع حلول المساء ونهاية اليوم، نجد أنفسنا نتنازل أمام أبسط المغريات، وكأن تلك القوة الجبارة التي كانت تسكننا في الصباح قد تبخرت.
الفشل في الالتزام لا يعني بالضرورة نقصاً في قوة الإرادة الشخصية، بل قد يكون أحياناً مؤشراً على أن محرك الإرادة في عقولنا قد انتهى وقوده، تماماً مثل العضلة التي تصاب بالإعياء، بعد تمرين شاق، ولا تقوى على حمل وزن إضافي.
عندما قرأت العديد من المقالات عن موضوع التسويف والالتزام، كانت متنوعة وتتناول جوانب متعددة من المشكلة، لكني وجدت أن هناك مصادر علمية أخذت الأمر من جانب آخر، موضحة أن قوة الإرادة ليست بئراً لا نهائية ولا تنضب، وكأنها مورد يستهلك مجهوداً. نحن نستهلك جزءاً من هذا المورد في كل مرة نعمل على أحلامنا، أو نتخذ قراراً، أو حتى حين نتحكم في انفعالاتنا في مواقف صعبة. ومع كل استهلاك، تضعف قدرتنا على السيطرة في المرة التالية، ما يفسر لماذا نرتكب أخطاءنا الكبرى أو نكسر حميتنا الغذائية في نهاية يوم طويل وحافل بالقرارات المجهدة للذات.
أحد المصادر تناول هذه الفكرة عن طريق تجارب أجراها باحث يدعى روي باوميستر وفريقه، ووجدوا أن الأشخاص الذين أجبروا أنفسهم على تناول الفجل بدلاً من الشوكولاتة المغرية، استسلموا بسرعة أكبر عند محاولة حل ألغاز مستعصية، مقارنة بمن لم يضطروا لممارسة هذا النوع من السيطرة على الذات.
وذكر الباحثون في دراستهم أن «الفكرة الجوهرية وراء نفاد الأنا هي أن أفعال الإرادة لدى الذات تستمد طاقتها من مورد محدود، يشبه القوة أو الطاقة، وبالتالي فإن القيام بفعل إرادي واحد، سيكون له أثر سلبي في أي فعل إرادي يليه».
إن الوعي بطبيعة إرادتنا كعضلة تمنحنا الحكمة في إدارة أيامنا وطاقتنا وأحلامنا. نحن بحاجة إلى التوقف عن جلد ذواتنا حين نتعب، وبدلاً من ذلك، علينا أن نتعلم كيف نمنح هذه العضلة الراحة التي تستحقها. وهذا لا يعني أنني أدعو إلى الاستسلام، أو أن تكون إرادة الشخص ضعيفة، بل أن تعطي نفسك حقها من التأمل والتزود بالطاقة.
إن الإرادة القوية لا تعني الضغط المستمر، بل تعني الذكاء في اختيار المعارك التي نخوضها، ومعرفة متى ننسحب من الأمور التي لن تنفعنا، فالعضلة التي ترتاح جيداً هي التي تقوى على التحمل أكثر.