إيران ليست دولة عابرة في الجغرافيا، ولا طارئة في التاريخ. فهي كيان حضاري عريق، يمتد حضوره آلاف السنين، وتشكلت هويته عبر تفاعل متواصل بين الإمبراطوريات، والثقافة، والفكر، والدين. واليوم، تُعد إيران دولة كبرى بمعايير المنطقة: مساحة واسعة، كثافة سكانية معتبرة، اقتصاد نفطي وزراعي وصناعي متنوّع، وقدرات بشرية وعلمية كبيرة، فضلاً عن موقع جيوسياسي يجعلها لاعباً وازناً في معادلات الإقليم.
إلى جانب ذلك، تمتلك إيران إرثاً إسلامياً وفكرياً مهماً، أسهم في الحضارة الإسلامية والإنسانية، وترك بصماته في الفلسفة والعلوم والآداب. ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة للواقع الإيراني لا يمكن أن تكون اختزالية، أو عدائية، بل يجب أن تنطلق من فهم عميق لمكانتها التاريخية، وإمكاناتها الكامنة.
* أولاً - الجوار والعلاقات التاريخية:
ترتبط دولة الإمارات العربية المتحدة بإيران بروابط الجغرافيا، والتاريخ، والتجارة، والتفاعل الإنساني. وقد اتسمت هذه العلاقة، في مجملها، بالهدوء وعدم الانزلاق إلى صراعات، سياسية أو دينية، باستثناء قضية الجزر الثلاث، التي تعود في جوهرها إلى ترتيبات سياسية استعمارية فرضتها بريطانيا في مرحلة حساسة من تاريخ المنطقة، من دون موافقة أصحاب الحق.
هذا السياق يؤكد أن الإشكال القائم اليوم لا يعود إلى صراع حضاري أو ديني، بين الشعوب، بل إلى خيارات سياسية وأيديولوجية معاصرة، قابلة للمراجعة والتصحيح.
* ثانياً - عالم ما بعد الأيديولوجيات:
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة أطاحت المنظومات الفكرية الكبرى التي هيمنت على القرن العشرين. سقطت الماركسية كنظام شامل، وتآكلت الرأسمالية تحت وطأة أزماتها، المالية والبيئية والأخلاقية، وانكشف الفكر الليبرالي حين تحوّل من مشروع تحرّر إنساني إلى أداة هيمنة اقتصادية وثقافية.
وفي السياق ذاته، تهاوى الإسلام السياسي، بعد أن استُهلك سياسياً ووظيفياً، وتكشفت علاقته بتوظيفات دولية هدفت إلى تفكيك المجتمعات العربية والإسلامية، وإشغالها بصراعات داخلية عبثية استنزافية.
* ثالثاً- الإنسان الكوني وتجاوز الهويات المغلقة:
العالم اليوم يشهد بروز ما يمكن تسميته ب «الإنسان الكوني»، إنسان تجاوز الانتماءات الضيقة، القومية والطائفية والعرقية، وأصبحت الكرامة الإنسانية وجودة الحياة والاستدامة هي مركز اهتمامه. الرابطة الإنسانية باتت أكثر تأثيراً من أيّ رابطة أيديولوجية مغلقة، وأصبحت الدول تُقاس بقدرتها على خدمة الإنسان، لا بقدرتها على التعبئة والصدام.
في هذا السياق، يبدو الإسلام السياسي في بعض جوانبه كأنه يغرّد خارج السرب، متمسكاً بخطاب صدامي فقد الكثير من مبرراته، التاريخية والإنسانية. ويبرز هنا السؤال الجوهري: لماذا الاستمرار في خطاب لم يعد منسجماً مع روح العصر؟ ولمصلحة من يستمر هذا الاستنزاف الداخلي والتوتر الخارجي؟
* رابعاً - لا للحرب... نعم للإصلاح من الداخل:
إن الحشود العسكرية في المنطقة، سواء أكانت تهدف إلى ضرب إيران، أم تغيير نظامها من الخارج، أم ممارسة الضغط القسري عليها، لا تمثل حلاً، بل تشكل خطراً على استقرار المنطقة بأكملها. فالتجارب الحديثة تؤكد أن التغيير المفروض من الخارج لا يصنع دولاً مستقرة، بل يفتح أبواب الفوضى، ويُعمّق الأزمات.
الأكثر عقلانية وجدوى هو مسار المراجعة الداخلية الهادئة: مراجعة تعيد ترتيب العلاقة بين الدين كمنظومة قيم روحية وأخلاقية، والسياسة كفن لإدارة المصالح وتحقيق الرفاه. مراجعة تُنهي توظيف الأيديولوجيا الدينية في الصراعات الإقليمية، وتؤسس لدولة وطنية عصرية، متصالحة مع شعبها، وجوارها، والعالم.
* خامساً - فرصة تاريخية لم تُستثمر بعد:
تمتلك إيران كل المقومات التي تؤهلها للتحول إلى دولة مدنية متقدمة: شعب متعلم، كفاءات علمية منتشرة في أرقى جامعات العالم، جاليات ناجحة في أوروبا وأمريكا، رؤوس أموال ضخمة، وموارد طبيعية وبشرية هائلة.
إن فتح الباب أمام عودة العقول المهاجرة، وتهيئة بيئة سياسية واقتصادية منفتحة، وبناء دولة قانون ومواطنة، يمكن أن تحوّل إيران إلى واحدة من أكثر دول المنطقة قوة، واستقراراً، وازدهاراً، لا عبر القوة الخشنة، بل عبر التنمية، والعلم، والشراكة الإقليمية.
* من منطق الثورة إلى منطق الدولة:
تقف إيران اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في أسر الأيديولوجيا، بما يرافقها من استنزاف داخلي وصدام خارجي، وإما الانتقال الواعي إلى منطق الدولة المدنية الحديثة، المتصالحة مع شعبها، وجوارها، وروح العصر.
ففي عالم لم تعد تُدار فيه الدول بالشعارات، بل بالكفاءة والحكمة وخدمة الإنسان، يبقى الرهان الحقيقي على الإصلاح الداخلي، لا على الضغوط الخارجية، وعلى العقل لا على التعبئة، وعلى المستقبل لا على أسر الماضي.