يصعب توقّع ما قد يؤول إليه مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية في مسقط. كل شيء وارد ومحتمل، والحرب أرجح.
هناك تناقض فادح بين ما تطلبه الإدارة الأمريكية تحت الضغط الإسرائيلي من شروط والتزامات، وما بوسع طهران أن تستجيب له حتى لا يفقد الحكم شرعية وجوده، ودوره الإقليمي، معاً.
لم تكن العاصمة العمانية هي الخيار الأول موضعاً للتفاوض، ولا كان هناك اتفاق بين الطرفين المتفاوضين على جدول الأعمال. هل يقتصر على المشروع النووي.. أم يشمل ملفات أخرى حساسة وملغّمة، كالمشروع الصاروخي الباليستي، ودعم الجماعات المسلحة التي تناهض إسرائيل ك«حماس» و«الجهاد الإسلامي» في فلسطين المحتلة، و«حزب الله» في لبنان، و«الحوثيون» في اليمن؟
بدت إسطنبول في البداية موضعاً مقبولا للتفاوض، نظراً لما أبدته تركيا من جهود دبلوماسية حثيثة، مع أطراف إقليمية أخرى، كمصر وقطر، لترجيح خيار التفاوض بديلاً عن حرب لا يمكن التحكم في تداعياتها الوخيمة على مستقبل الإقليم، إضافة إلى الصلات الخاصة، التي تجمع الرئيسين الأمريكي والتركي، غير أن إيران اعترضت عليه بذرائع غير معلنة، لكنه يمكن استنتاجها.
إنها فجوات الثقة الواسعة بين تركيا وإيران، التي تفاقمت إثر سقوط النظام السوري السابق، وملاحقة النفوذ الإيراني بدعم تركي كامل. لم ترد طهران لأية أطراف إقليمية، خاصة اللاعب التركي، أن تستثمر استراتيجياً في الأزمة لاكتساب مزيد من النفوذ الإقليمي على حسابها، أو سحب إضافي من رصيدها. ولا أرادت أن تتحول المفاوضات إلى «كرنفال إقليمي» تطرح فيه كل القضايا والأزمات، بما يربك حساباتها، ويضعها في موضع المساءلة لا الدعم.
لجأت لعبارات دبلوماسية لتسجيل اعتراضها على موقع التفاوض، لكنها لا تخفي حقيقة الأوضاع والصراعات في إقليم يوشك أن ينفجر.
فضّلت أن يحدث التفاوض في مسقط مقره السابق، قبل حرب الاثني عشر يوماً، التي تشاركت فيها إسرائيل والولايات المتحدة.
كانت تلك رسالة مضمرة أن المسار المقترح لوقف الحرب، هو نفسه المسار السابق، الذي كان جدول أعماله يقتصر على المشروع النووي ولا شيء آخر.
بدا للحظة أن المفاوضات انهارت قبل أن تبدأ، لكن ذلك لم يحدث. كان الاستنتاج- هنا- أن الإدارة الأمريكية لم تحسم أمرها بعد، وتحتاج إلى وقت إضافي لاستبيان الحقائق حولها، أو الوصول إلى تصور أكثر إحكاماً لأية عملية عسكرية قد تقوم بها، حدودها وما بعدها.
كما مدى استعداد الرأي العام الأمريكي لقبول انخراط بلاده في حروب وأزمات دولية، واحدة تلو الأخرى، وتأثيره في فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. تمثل الرهان الرئيسي لإدارة دونالد ترامب في إثبات قدرته على عقد الصفقات ب«سلام القوة»، بالتفاوض أو بالحرب.
ما يعنيه أن يخرج بنصر ما يدعيه أمام جمهوره والعالم، وأمام نظره: النفط الإيراني!
إنه رهان يختلف، تماماً وكلياً، عن الرهانات الإقليمية، تقف على الجانب الآخر بالتناقض شبه المطلق، رهانات إسرائيلية تتبنّى الحرب الواسعة لإطاحة النظام الإيراني خياراً وحيداً. قبل أن يبدأ مسار مسقط أبدت الحكومة الإسرائيلية نشاطاً زائداً، زار المبعوث الرئاسي الخاص ستيف ويتكوف تل أبيب، لتبادل الرأي في المفاوضات المزمعة قبل الاستقرار، بقدر ما هو ممكن، على رؤية موحدة.
في الوقت نفسه كان رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زمير، في واشنطن يتباحث مع قادة «البنتاغون» حول الخطط المقترحة لأية ضربة عسكرية، وما هو مطلوب من الجيش الإسرائيلي إذا ما نشبت الحرب في أية لحظة. لم يكن هناك غموض بأية درجة في الرهان الإسرائيلي. إنها الحرب ولا شيء آخر غيرها.
الفرصة سانحة للتخلص من النظام الإيراني «الذي لا يمكن الوثوق به»، كما يلحّ الإسرائيليون على صانع القرار الأمريكي. هذا هو الخط الاستراتيجي الرئيسي لإسرائيل، التي تتماهى فيه المعارضة بذات موقف الحكومة اليمينية المتشددة، حسب تأكيدات يائير لابيد.
وحسب ما تسرب إسرائيلياً عن الشروط الصارمة، التي وضعها رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، فإنه لا بد من ربط أيّ اتفاق بتخلّي إيران عن اليورانيوم المخصب بشكل عال.. والتوقف عن تخصيبه داخل أراضيها، وإيداع ما لديها من مخزون لدى دولة أخرى، مثل روسيا.
أهم الشروط وأخطرها: وقف إنتاج الصواريخ الباليستية. هذا الشرط- بالذات- يعني استسلاماً بغير قيد للإرادة الإسرائيلية، ينزع عنها أي قدرة على الردع، أو الرد على أي تغولات إسرائيلية ضد مصالحها وأمنها.
ليس في طاقة إيران الاستجابة لمثل هذه الشروط. إنه إلزام مسبق للمفاوض الأمريكي بإفشال أيّ اتفاق محتمل في مسار مسقط. وتحت أيّ ظرف أو ضغط فإن التخلي عن ورقة الصواريخ الاستراتيجية هزيمة كاملة من دون طلقة رصاص واحدة.
الخيارات حرجة، ولكل خيار أثمانه وتكاليفه. «يجب أن يكون خامنئي قلقاً للغاية». كانت تلك رسالة أطلقها ترامب على حافة الأمل المراوغ في تسوية منصفة وعادلة -كما يقول الإيرانيون، والحرب المدمرة في أية لحظة- كما يضغط الإسرائيليون.