ربما المشكلة ليست أننا نملّ كثيراً بل أننا لم نعد نملّ بما يكفي لنسمع أنفسنا.
***
كان المسافر قديماً يملك رفاهية الانتظار، رفاهية يصعب فهمها اليوم. يفتح كتاباً في القطار، وحين يتعب بصره يسند رأسه إلى الزجاج ويراقب. التضاريس تتغير والوقت يمر، وهو هناك فقط. لا يفعل شيئاً.
في مجالسنا أيضاً، كان الصمت مقبولاً بل محترماً. يجلس الناس دون حاجة لملء كل فراغ. يشربون القهوة ببطء، ينظرون إلى الأفق، يتركون أفكارهم تتجول. لم يكن أحد يشعر بالحرج من لحظة صمت.
اليوم؟ الانتظار بلا هاتف صار موقفاً بطولياً. ثوانٍ في طابور وتمتد يدك تلقائياً نحو جيبك، ليس لأن لديك رسالة مهمة، بل لأنك ببساطة لا تحتمل نفسك لدقيقتين.
التطبيقات تعرف هذا، لهذا تُشعرك دائماً: «لا تتركنا. ابقَ معنا. لا تذهب».
الملل ليس غياب النشاط بل غياب ما يشغلك عن نفسك. حين لا يجد عقلك شيئاً يستهلكه يبدأ بإنتاج شيء. هذا كل ما في الأمر.
العقل يحتاج إلى الفراغ، ليس دائماً، لكنه يحتاج إليه وحين نحرمه منه يصير مجرد مستهلك.. يأخذ، يستقبل، لا ينتج شيئاً.
شاهد طفلاً يمل لا يمسك هاتفاً يخترع لعبة من لا شيء أو قصة أو سؤالاً فلسفياً يُحرجك. كنا نفعل هذا قبل أن نفقد القدرة على الوقوف في الفراغ بلا شاشة تحمينا.
نحن لا نخاف الملل لأنه «ممل».. نخافه لأنه يضعنا أمام أنفسنا بلا شاشة تقول لنا ماذا نفكر. بلا موسيقى تملأ الصمت. فقط أنت وأفكارك التي لم ترتبها بعد وأسئلتك التي أجّلتها: هل أنا راضٍ؟ ماذا أريد حقاً؟
هذه المواجهة مخيفة لهذا نهرب منها بسرعة. التكنولوجيا توفر لنا باباً دائماً مفتوحاً، سهلاً ومريحاً، لا يحتاج منا سوى للمسة واحدة.
أفكار كبيرة جاءت من «لا شيء».. من الانتظار على رصيف.. من النظر إلى السقف طويلاً.. من رحلة صامتة في قطار.
الملل ليس فراغاً في الحياة.. هو المساحة التي كانت الحياة تحدث فيها قبل أن نقرر أن كل لحظة يجب أن تكون «منتجة» أو موثّقة على الأقل. ربما نحتاج إلى أن نملّ أكثر لنسترد وقتنا الضائع منا.