في القمم الكبرى، لا تُختبر المواقف بالتصريحات وحدها، بل بالأسئلة المباشرة، خصوصاً عندما تكون في حدث يشارك فيه أكثر من 60 من رؤساء دول وحكومات العالم، وكان واحداً منهم رئيس صومالي لاند عبدالرحمن محمدعبدالله، فخلال لقائي به على هامش القمة العالمية للحكومات، طرحت عليه سؤالاً صريحاً: ما «الثمن» الذي دفعته أرض الصومال، أو صومالي لاند مقابل الحصول على اعتراف إسرائيل؟ وهل نقلُ الفلسطينيين من غزة إلى صومالي لاند كان الثمن أو جزءاً منه؟ الجواب جاء هادئاً وحاسماً: لم يحدث شيء من ذلك، لا نقل للفلسطينيين، ولا صفقة من هذا النوع، مجرد دعاية كاذبة.
لكن المفارقة أن النفي الصريح لا يوقف الرواية حين تكون قد انتشرت بالفعل، فحكاية الثمن الفلسطيني كانت قد شُحنت عاطفياً، ودُفعت بقوة عبر فضاءات رقمية ومنصات إعلامية عربية، حتى صدقها كثيرون بلا وثيقة، ولا تصريح رسمي، ولا مؤشر سياسي! هنا لا نكون أمام خطأ مهني عابر، بل أمام نمط متكرر: صناعة رواية صادمة، ربطها بقضية عادلة، ثم ضخها بكثافة حتى تتحول إلى «حقيقة متداولة»، في هذا النمط لا تُقاس قيمة الخبر بمدى دقته، بــل بقابليته للاشتعــال والانـتــشار.
من يصنع هذه الدعايات الكاذبة؟ التجربة تشير إلى شبكات تسييس الإعلام، وأذرع رقمية مرتبطة بدول أو بجماعات أيديولوجية تمتلك تاريخاً طويلاً في توظيف القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لخدمة أجندات ضيقة، وبطبيعة الحال هذه الشبكات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن قصة تصلح للتداول، حتى لو كانت مفبركة.
وفي زمن السرعة الرقمية، لم يعد الخبر ينتظر التحقق، بل ينتظر «الترند». تُخلق قصة بلا مصدر موثوق، تُكسى بعباءة أخلاقية، ثم تمرر من منصة إلى أخرى، قبل أن تجد طريقها إلى بعض المنابر الإعلامية التي تخلط بين التداول والمصداقية.
إذن المسألة هنا ليست صراع روايات، ولا سباق مكاسب سياسية. القضية أعمق: من يحمي الحقيقة في زمن الفوضى السردية؟ امتحان الإعلام اليوم ليس في قدرته على الصراخ، بل في شجاعته على التثبت، فإما أن يكون جزءاً من الحل، أو يتحول، بغير قصد، إلى وقود للفتنة.

Mealhammadi@