نقرأ ما بين سطور، ما تم بحثه في اجتماع وزراء دفاع حلف الأطلسي، في مقر الحلف في بروكسل، يوم الخميس الماضي، وما أطلقه الأمين العام مارك روته، وغياب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، كما غاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن اجتماع وزراء الخارجية في ديسمبر/كانون الأول، أن الحلف يعاني حالة ضمور، ويحاول قدر المستطاع لملمة أوضاعه، في مرحلة باتت الولايات المتحدة، تتخلى عن التزاماتها تجاه الحلف، وتدعو بصراحة إلى اعتماد الدول الأوروبية على نفسها، وهو ما أشار إليه أمين عام الحلف روته بقوله: «إن الولايات المتحدة ستضطر إلى تركيز اهتمام أكبر على الوضع في منطقة المحيط الهادئ ومحيطها في المستقبل، ما يجعل من الضروري أن تتحمل أوروبا وكندا مسؤوليات أكبر».
هذا التحول في العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا داخل الحلف حيث كانت واشنطن تتولى الحماية الأمنية شكّل بالنسبة للدول الأوروبية تحدياً، يتمثل بالبحث عن بديل لهذه الحماية، من خلال القدرات الذاتية، المتمثلة بتعزيز القدرات العسكرية، والعمل على زيادة التعاون، ورفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 بالمئة، وتعزيز القاعدة الصناعية.
ونتيجة ل«الانسحاب» الأمريكي التدريجي، بدأ الحلف في نقل عدد من المناصب القيادية العليا من الولايات المتحدة إلى الحلفاء الأوروبيين، حيث ستتولى بريطانيا قيادة القوات المشتركة في نورفولك بولاية فرجينيا الأمريكية، بينما ستتسلم إيطاليا قيادة القوات المشتركة في نابولي، على أن تتناوب ألمانيا وبولندا قيادة القوات المشتركة في هولندا، لكن الولايات المتحدة لا تزال تتولى منصب القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا.
وإذا كان تبرير هذا التشكيلات الجديدة، هو «التحول نحو توزيع أكثر عدلاً للمسؤوليات»، إلا أنه يدل فعلياً على أن الحلف يعيش مرحلة مخاض، وإعادة جدولة للأولويات، بالاعتماد على القدرات الذاتية الأوروبية.
وقد حاول روته شد عصب الحلف، بالتقليل من المخاوف الناجمة عن «الانسحاب» الأمريكي، من خلال الحديث عن القوة، بتأكيده أن الحلف «مستعد جيداً» للرد على أي تهديد، محذراً من أن «ردنا سيكون مدمراً» إذا تعرضت أراضي الحلف لهجوم، مؤكداً أن الناتو تحالف دفاعي، لكنه سيظهر رداً «قاتلاً» إذا تم استهدافه.
هذا الكلام عالي النبرة، موجه إلى روسيا بالتحديد، كي لا تراهن كثيراً على ما يعانيه الحلف من ضعف، في ما يتعلق بحربها في أوكرانيا، رغم أن روته يدرك أن الكرملين لا يضع في حساباته الموقف الأوروبي، وهو يخوض الحرب والمفاوضات، وفقاً لقناعاته الاستراتيجية التي لم يتخل عنها، وهي الاحتفاظ بالأراضي التي سيطر عليها في أوكرانيا، وعدم انضمام الأخيرة إلى حلف الأطلسي، والتزام الحياد، مع الحصول على ضمانات أمنية، تكون جزءاً من معاهدة السلام مع أوكرانيا.
ومع ذلك، لا يزال الحلف يراهن على استمرار الحرب، وتقديم الدعم لأوكرانيا، إذ قال روته أن «أوكرانيا لن تنكسر»، مؤكداً استمرار تقديم الدعم لها، لأنها «لا تستطيع مواصلة القتال أو تأمين السلام بمفردها».
يتضح من مجمل هذه المواقف، أن الدول الأوروبية داخل حلف الأطلسي، لا تزال تتلمس طريقها، وتبحث عن مخرج لمأزقها من دون الولايات المتحدة.. وكأنها باتت أشبه بالطفل اليتيم.
حلف الأطلسي يبحث عن مستقبله
14 فبراير 2026 00:32 صباحًا
|
آخر تحديث:
14 فبراير 00:32 2026
شارك