اتصلت بصديق قبل أيام لأطمئن عليه، جاء صوته مثقلاً، كأن شيئاً داخله انطفأ، لم يكن حزيناً بقدر ما كان مستسلماً، حدثني عن أيام تتشابه، عن طاقة نضبت، وعن شعور بأن كل شيء انتهى، هذا الصديق تقاعد مؤخراً، والحقيقة أن الوظيفة لم تكن له مجرد مصدر دخل، بل كانت هويته، تعريفه لنفسه، ومعنى وجوده، وحين أغلق باب مكتبه للمرة الأخيرة، شعر وكأنه أغلق باب الحياة نفسها.
لم يكن وحده، صديق آخر، في العمر نفسه تقريباً، اختار أن يحوّل بيته إلى محطة نهائية، لا عمل، لا هواية، لا خروج، لا انتظار، والغريب أن كليهما لم يتجاوز الخمسين بعد.
في المقابل، التقيت أشخاصاً تجاوزوا السبعين، بل الثمانين أحياناً، وما زالوا يستيقظون كل صباح لأن لديهم سبباً لذلك، ليسوا بالضرورة أثرياء، ولا يتمتعون بصحة خارقة، لكنهم يملكون أمراً حاسماً، لم يربطوا حياتهم بمرحلة واحدة، ولم يسلّموا مفاتيحها لوظيفة أو عُمْر أو لقب، هؤلاء اختاروا أن يكونوا من ناس «الشروق»، هناك من يرى الشروق مجرد مشهد عابر، وهناك من يراه رسالة يومية، الشروق عندهم ليس ضوءاً فقط، بل تذكير بأن كل يوم بداية جديدة، هم لا ينتظرون الظروف لتمنحهم سبباً للحياة، بل يصنعون السبب بأنفسهم.
الفارق بين الناس ليس في العمر ولا في الحظ ولا في الظروف، الفارق في القرار، هناك من يختار أن يغلق النوافذ، أن يعيش على ما كان، أن يعلن نهاية الرحلة باكراً، وهناك من يفتح النافذة كل صباح، لا لأن الحياة سهلة، بل لأنه قرر ألا يختصرها في مرحلة واحدة.
الحقيقة التي لا نحب سماعها هي أن كثيراً منا لا يتعب لأنه مرهق، بل لأنه بلا اتجاه، لا يشيخ الناس لأن أعمارهم تقدمت، بل لأنهم توقفوا عن بناء معنى جديد لحياتهم، وأخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يربط قيمته بدور واحد، أو مرحلة واحدة، أو لقب واحد، ثم يعلن النهاية عندما تتغير الظروف.
والرسالة هنا واضحة ولا تحتمل التأجيل، إن لم يكن في حياتكم اليوم ما يجعلكم تستيقظون بشغف، فاصنعوه، تعلّموا شيئاً جديداً، اخدموا غيركم، ابدأوا مشروعاً صغيراً، مارسوا هواية أهملتموها، أو أعيدوا تعريف أنفسكم بعيداً عن الوظيفة والمسمّى، لا تنتظروا أن تعود الشمس كما كانت، تعلّموا أن تروا الشروق في مكان آخر.
الحياة لا تنتهي حين يتغير الدور أو يبهت الحلم، تنتهي عندما نتوقف عن انتظار الشروق، ونعيش على الذكريات بدل الاحتمالات، كثيرون لم تهزمهم الحياة، بل انسحبوا منها بصمت، لم يُغلق أمامهم طريق، لكنهم اختاروا الجلوس على جانبه، الغروب الذي يعيشونه ليس قدراً، بل قرار يُتَّخَذُ كل صباح.

[email protected]