اعتدنا أن نميز بين المدير الناجح والمدير محدود الكفاءة من خلال قدرة كل منهما على تحليل المشكلات، واتخاذ القرارات، ووضع الخطط، لكن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يدفعنا إلى إعادة النظر في هذه المعايير، فماذا لو استطاع مدير يفتقر إلى بعض المهارات الإدارية تحقيق نتائج ممتازة، لأنه يعرف كيف يستعين بأداة ذكية تحلل المشكلات وتقترح الحلول؟
لنتخيل مديراً يواجه انخفاضاً في مبيعات شركته، في السابق كان عليه جمع التقارير، ودراسة الأرقام، والاستعانة بالمختصين لمعرفة أسباب التراجع، أما اليوم فيستطيع تقديم البيانات للذكاء الاصطناعي، وطلب تحليل المشكلة، ومقارنة الحلول، وتحديد المخاطر، ثم إعداد خطة عمل واضحة لرفع المبيعات.
وإذا واجه صعوبة أثناء التنفيذ، يستطيع العودة إلى النظام، وشرح ما حدث، وطلب حلول أخرى، وهكذا يصبح أمامه مساعد متاح طوال الوقت، يوفر عليه جهداً كان يتطلب خبرات متعددة وساعات طويلة من العمل، بل يمكنه مناقشة التوصيات معه، واختبار أكثر من احتمال قبل اتخاذ القرار.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل، فقد يحقق مدير متوسط الكفاءة نتائج أفضل من مدير يمتلك خبرة طويلة، لكنه لا يحسن الاستفادة من هذه التقنيات، فالذكاء الاصطناعي قد لا يكشف ضعف بعض المديرين كما يتوقع البعض، بل قد يعوض جوانب من ضعفهم، ويرفع مستوى أدائهم بصورة لم تكن ممكنة من قبل.
لكن هل يعني ذلك أن الخبرة الإدارية فقدت قيمتها؟ بالتأكيد لا، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على المعلومات التي نقدمها له، وقد يجهل ظروفاً داخل الشركة لم تذكرها التقارير، أو مشكلات بين الموظفين تؤثر في سير العمل، وقد يقترح خطة ممتازة على الورق، لكنها لا تناسب الواقع، وهنا تظهر أهمية المدير الذي يعرف طبيعة عمله، ويفهم موظفيه، ويستطيع التمييز بين الحل المناسب والحل الذي يبدو مناسباً.
وهذا التحول يفتح المجال أمام مديرين لتحقيق نجاحات لم يكونوا قادرين عليها سابقاً، ليس لأن خبراتهم زادت فجأة، بل لأن الذكاء الاصطناعي أتاح لهم قدرات إضافية، كما يستدعي من الشركات مراجعة الطريقة التي تقيّم بها مديريها، فلم يعد كافياً النظر إلى خبرة المدير أو قدرته على إنجاز الأعمال بنفسه، بل ينبغي النظر أيضاً إلى ما يحققه من نتائج.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على مساعدة المدير في أعمال كانت تتطلب سنوات من الخبرة، وربما يأتي وقت لا يكون فيه المدير الأفضل هو الأوسع معرفة أو صاحب الخبرة الأطول، بل من يعرف كيف يستخدم الأدوات المتاحة له لتحقيق نتائج أفضل، ويتخذ قراراته ويتحمل مسؤولية نتائجها.
