عندما يدعو وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو أمام مؤتمر ميونيخ للأمن إلى انضمام أوروبا إلى الولايات المتحدة في سعيها ل«تجديد» النظام الدولي، فهو يجيب على كثير من الأسئلة المطروحة ويقدم تفسيرات لحالة الفوضى الراهنة والأزمات المفتوحة على المجهول والعجز الرهيب على إيجاد الحلول الجذرية.
قد تكون المرة الأولى التي تصدر بوضوح عن مسؤول أمريكي دعوة الحلفاء الأوروبيين إلى تزكية سعي الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب لقيادة عملية «تجديد وترميم» عالمي تعيد ترتيب التوازنات الدولية. وترافقت الدعوة مع هجوم لاذع على الأمم المتحدة واتهامها بأنها «لا تلعب أي دور» في حل النزاعات الحالية، في الوقت الذي انسحبت فيه واشنطن من عشرات المنظمات الدولية بذريعة أنها لا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة، رغم أن تلك الكيانات ظلت على مدى عقود أدوات طيّعة في يد واشنطن وبعض حلفائها، وكثيراً ما تم استخدامها في قضايا لا تتصل بالقانون الدولي ولا حقوق الأمم والشعوب المستضعفة. أما اليوم فيبدو أن الأولويات تغيرت، وأن الرغبة الأمريكية في البقاء على سدّة النظام الدولي تدفعها إلى تغيير شكل المعبد القديم لا هدمه، والمتحكم في هذه السياسة ليس الحفاظ على القوانين والتشريعات وقيم العدالة، وإنما المصلحة الضيقة التي تترجم شعار «أمريكا أولاً» الذي يروّج له ترامب ويريد فرضه بكل الطرق الممكنة.
فهم هذا التوجه الأمريكي لا يمكن فصله عن توجهات الخصوم، مثل روسيا والصين أساساً، فهاتان القوتان العظميان تريدان تغيير النظام الدولي الحالي وليس ترميمه، فهما تعملان على بناء نظام «متعدد الأقطاب» تكونان فيه إلى جانب قوى أخرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الجنوب، وهو نظام ستفقد فيه واشنطن الحظوة والسطوة، وتصبح مجرد فاعل كالبقية. وسواء كان ترامب في البيت الأبيض أم غيره، من الصعب على أي رئيس أن يتنازل عن مقعد القيادة العالمي ويسمح للخصوم بمشاركته تلك المكانة الرفيعة. وحتى لا يواجه حقيقة الواقع، يلجأ إلى خلط الأوارق وإثارة أزمة في الغرب والتلويح بحرب في الشرق، رغم أن اللياقة السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة لا تسمح لها بخوض مغامرات خطرة، بينما يكمن لها الخصوم في غير موقع وإن أوهموا بغير ذلك.
الحقيقة المؤكدة اليوم أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945 يتداعى بشكل جدّي، ولا يمر بأزمة عابرة، بل بمرحلة «انتقال حتمي» تتسم بعودة قوية إلى سباقات التسلح والتركيز على الإنفاق الدفاعي وشيوع النزعة الشوفينية ومحاولة الرهان على القوة لتحقيق «أهداف وطنية» دون اكتراث بالقواعد العالمية الموحدة. وحتى من لا يقتنع بهذه النهج، مثل الأوروبيين، أصبحوا مضطرين إلى الأخذ به عبر الدعوات على الاستقلال عن النفوذ الأمريكي وبناء قوة ذاتية لمواجهة عالم فوضوي بات يصعب فيه التمييز بين الخصم والحليف.
وأمام هذا الوضع فإن الحديث عن ترميم النظام الدولي ليس إلا إعادة تجديد القديم، بينما الأسلم أن تمضي جميع الأطراف الدولية إلى بناء نظام جديد من أقطاب عدة، تحظى فيه القيم الإنسانية ومعايير العدالة والسلام بمكانة رفيعة، وليس اجترارها لتنفيذ أجندات مشبوهة لا تخدم الأمن الدولي ولا مصالح الشعوب المستضعفة.