على الرغم من أننا نؤمن غالباً بأن اختياراتنا نابعة من رغبتنا الشخصية، فعندما نختار هاتفنا القادم، أو الوجهة السياحية التي سوف نسافر إليها، أو عندما نطمح للعمل في جهة ما، قد نعتقد أن هذه الرغبة نابعة من داخلنا وأنها فعلاً اختيارنا، لكن لو توقفت للحظة وفكرت بالموضوع بعمق أكبر، قد تجد للأسف أن هذا ليس صحيحاً دائماً، بل إنه في الكثير من المرات قد نقوم باختياراتنا ليس لأنها الشيء الذي يناسبنا، بل لأن الآخرين يريدونها أيضاً.
هذه الظاهرة ليست مجرد غيرة، أو تقليداً للآخرين، أو سطحية، بل هي نظرية عميقة صاغها المفكر الفرنسي رينيه جيرارد، واشتهرت بعد ذلك في الأوساط العلمية. تعرف هذه النظرية بمسمى «الرغبة المحاكية»، وعندما صاغها جيرارد كان يرى أن الرغبة البشرية ليست خطاً مستقيماً بينك وبين الشيء الذي تريده، بل هي ثلاثة عناصر، تتكون منك أنت، والشيء المرغوب، وما يسمى «الوسيط»، وهذه النظرية صاغها جيرارد عام 1961.
وفي زمننا الحالي الوسيط هم الأشخاص الذين نقوم بتقليدهم سواء كانوا المشاهير أو الإعلانات أو تأثير المجتمع بشكل عام. نحن لا ننظر للشيء الذي نريده مباشرة، بل ننظر إلى الوسيط، فنستعير رغبته ونتبناها وكأنها رغبتنا. في كتابه التأسيسي الذي كان له تأثير كبير في مفاهيم علم النفس الاجتماعي، شرح جيرارد أن الإنسان يولد وكأنه خال من الرغبات المحددة باستثناء الحاجات البيولوجية، مثل الجوع، وهو يحتاج إلى من يدله على ما يستحق الرغبة. يقول جيرارد في اقتباسه الشهير حول هذه النقطة: «الإنسان هو المخلوق الذي لا يعرف ماذا يرغب، ولذلك يتجه للآخرين ليحسم أمره. نحن نرغب فيما يرغبه الآخرون لأننا نحاكي رغباتهم».
هذا التفسير يكشف لنا بوضوح فوضى الرغبات المنتشرة في عالمنا اليوم. منصات التواصل الاجتماعي ليست مجرد مكان نرى فيه الصور واليوميات، بل هي مثال واقعي جداً للوسيط. حين ترى الجميع يصورون القهوة في مكان معين، تتولد لديك رغبة حارقة للذهاب هناك، ليس لأن القهوة لذيذة، بل لأنك وقعت ونظرت للوسيط وليس لرغبتك التي تناسب احتياجك.
المشكلة الأكبر في هذه الرغبات المستعارة أنها تخلق فوضى في حياتك لا تنتهي، فنحن نسعى إلى أشياء لا نحتاج إليها فعلياً، فقط لأننا خضعنا لإيحاء اجتماعي بأنها مهمة. الحرية الحقيقية تبدأ حين نكسر هذه الدائرة، ونتعلم التمييز بين ما نحتاج إليه نحن، وبين ما نرى الآخرين يفعلونه.
لا تنظر إلى الوسيط
15 فبراير 2026 00:05 صباحًا
|
آخر تحديث:
15 فبراير 00:05 2026
شارك