آخر الكلام

في زيارتي الأخيرة إلى روما، لم يكن اللقاء بروح المدينة وحدها هو ما استوقفني، بل ذلك الحوار العفوي الذي دار بيني وبين إحدى الشخصيات المعروفة في العاصمة الإيطالية، فأثناء التعارف، قلت له إنني سعيد بالعودة إلى هذه المدينة الرائعة، وقبل أن أكمل كلامي قاطعني مبتسماً، وبلا تردد: «إذن لنتبادل... أنت تعيش في روما، وأنا أعيش في أبوظبي».
لم تكن مجرد جملة مجاملة بروتوكولية، بل كانت تعبيراً صادقاً خرج بعفوية من شخصية رفيعة في دولة صديقة، ثم أخبرني بثقة ووُدٍّ واضحين أنه زار الإمارات أكثر من مرة، وأنه يعرفها جيداً، في تلك اللحظة أدركت أن الأمر لم يعد مجرد إعجاب عابر بمدينة حديثة، بل صورة ذهنية متكاملة ترسّخت في وعي واحد من كثيرين حول العالم.
روما الرائعة التي تمشي في شوارعها كأنك تتصفّح كتاب تاريخ ثري، وهي متحف مفتوح يحتضن تاريخاً يمتد لآلاف السنين، مدينة لا تحتاج إلى شهادة في جمالها أو مكانتها، فيكفي أن تتجول بين أزقتها الضيقة الحافلة بالحياة وأروقة الكولوسيوم أو تقف أمام عظمة البانثيون لتدرك أنك أمام حضارة صنعت جزءاً كبيراً من الوعي الإنساني، ومع ذلك حين يقول مسؤول إيطالي رفيع إنه مستعد لمبادلة العيش بين روما وأبوظبي، فذلك يعني أن الإمارات نجحت في أن تبني لنفسها مكانة موازية في الحاضر.
هذه الصورة لم تتشكل صدفة، بل هي نتيجة عمل دؤوب من قادة الإمارات، واستثمار في الإنسان، وترسيخ لقيم الاستقرار والانفتاح والتسامح، فخلال سنوات قليلة، تحولت أبوظبي ودبي وجميع الإمارات إلى مراكز اقتصادية وثقافية تستقطب العقول من الشرق والغرب، ويكفي أن الإمارات احتلت مراكز متقدمة عالمياً في مؤشرات التنافسية والأمان وجودة الحياة، بحسب تقارير البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي.
كما أن العلاقات الإماراتية-الإيطالية نفسها تعكس هذا التقدير المتبادل؛ فحجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين تجاوز مليارات الدولارات سنوياً، وتُعد الإمارات الشريك التجاري الأول لإيطاليا في منطقة الخليج، وفق بيانات وزارة الاقتصاد الإيطالية ووكالة التجارة الإيطالية، وهو ما يعكس عمق الحضور الإماراتي في الوعي الأوروبي.
ذلك الرد العفوي في روما أسعدني وأسعد كل من كان معي لأنه لم يكن مجاملة شخصية، بل شهادة غير مباشرة على سمعة دولة صنعت لنفسها مكانة محترمة بين الأمم.
وبين روما المتحف المفتوح، وأبوظبي المدينة الحديثة الواثقة، تتجسد حكاية عصرين، حضارة صنعت التاريخ، ودولة تصنع المستقبل.

@Mealhammadi