بينما يتهيأ المسلمون لصوم رمضان، شهر التنافس في حصد البركات، والتماس الأجر المضاعف، يأبى شياطين السياسة أن يُصفّدوا مع غيرهم من الشياطين، بل يمضون في تطرّفهم ورهاناتهم غير السوية التي تجر الملايين إلى حُفر نيران الحروب العبثية بغير جريرة منهم.
بالإمكان مد العينين في بقاع كثيرة من هذه المنطقة الموبوءة على الدوام بالفوران والقلق، لتجد بسهولة أنها أكثر أركان الكوكب ابتلاء بالشياطين واكتواء بوسوساتهم على مدار العام من غير أن تتراجع، ولو مؤقتاً، في شهر الصوم وما يرافقه من عبادات وأجواء روحانية، بل إنهم يوغلون في تحويله إلى مناسبة لمزيد من المعاناة والانشغال بالصراعات.
لا أحد يعلم إن كانت الساعات القليلة المقبلة ستلد مواجهة إيرانية - أمريكية إسرائيلية جديدة بعد أن تنقضي جولة جنيف من المباحثات، فالمخاوف تتراكم من أن تترافق بداية الشهر الكريم مع موجة أخرى من وضع المنطقة على فوهة اللهب التي ينصح الحكماء بتجنبها ويبذلون الجهد الممكن لدفع الجميع بعيداً عنها. وإن كانت الحكمة تقضي بتجنب الحرب في كل وقت، فإن ذلك أوجب في شهر الصوم بما يعنيه من الامتناع عن السعي بالشر، والكيد للآخر، وصون اللسان عن الإساءة إليه، وأكل الحقوق، بينما شياطين السياسة مستمرون في إفساد كل صور الحياة الهادئة.
وبينما تتصارع سيناريوهات المواجهة المنتظرة في سماء المنطقة، ويستغرق البعض في تفاصيلها ودور كل طرف فيها، وسط دعوات الصادقين بأن تستبين الأطراف الفاعلة مخرجاً منجياً منها، ترسم إسرائيل، وقبل ساعات من بدء الشهر الكريم، ملامح لما سيكون عليه رمضان في الأراضي الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية.
غزة، بحكم التجربة العبثية المستمرة منذ 2023، نعرف مواطن وجع أهلها الدائرين بين التهجير والنزوح والتجويع والحرمان من الدواء والعلاج، بينما سيناريوهات مستقبل القطاع لم تكتمل. أما الضفة، فهي على موعد مع تصعيد جديد تاريخي عنوانه التقنين الإسرائيلي للاستيطان واقتطاع ما تبقى من أراضٍ في أيدي أصحابها الفلسطينيين وتسجيلها «أملاك دولة». والدولة المقصودة هنا هي إسرائيل، لا الدولة الفلسطينية التي داخت في الأروقة باعتبارها جزءاً من حل للقضية.
ردود الفعل الرافضة لإجراءات تسهّل شراء المستوطنين أراضي في الضفة، ثم موافقة الحكومة الإسرائيلية على إطلاق عملية تسجيل وتسوية ملكية الأراضي في الضفة الغربية للمرة الأولى منذ احتلال عام 1967، كانت متوقعة، غير أن شياطين السياسة، وقبل ساعات من بدء الشهر الكريم، يريدون المضي في المقامرة بأمن المنطقة وفرص التعايش فيها بالإمعان في أكل الحقوق التاريخية، وفتح أبواب جديدة للقلق بدلاً من إغلاقها في مواضع أخرى.
حين يترافق ذلك مع تدنيس ممنهج للمسجد الأقصى وبقية الرموز الدينية خلال رمضان، كما أعلنت وجوه استيطانية، فالعواقب معروفة، وشكل الحياة في الشهر الكريم متصور.
غير بعيد عن ذلك، يصطلي عرب آخرون ناراً توقدها شهية شياطين من نوع آخر.

[email protected]