في عالم الإدارة، وحتى داخل تفاصيل حياتنا الشخصية الصغيرة، سيطر علينا هوس القياس. لقد آمن الكثير من الناس، بأن قياس كل شيء هو الأهم إدارياً. ولهذا السبب نرى الكثير ممن يهتم، بوضع مؤشرات أداء دقيقة لكل شيء في حياته. نحن نعد السعرات الحرارية، لمتابعة وضعنا الصحي، ونحسب عدد الكتب التي قرأناها، لنصبح مثقفين، ونراقب عدد ساعات بقائنا في المكاتب، لنثبت أننا موظفون مجتهدون. نظن أننا بهذه الأرقام نمسك بزمام الأمور، ونضمن الجودة والنجاح، لكننا نغفل عن حقيقة اقتصادية ونفسية عميقة، قد تغير هذا كله.
هذه الحقيقة يجسدها قانون اقتصادي وإداري شهير يعرف ب «قانون جودهارت»، والذي ينص على أنه «عندما يصبح المقياس هدفاً، فإنه يفقد جدواه كمقياس»، تكمن خطورة هذا القانون في أنه يشرح الآلية النفسية التي تجعل تركيزنا الأعمى على الرقم، يفسد الشيء الجوهري الذي نحاول قياسه في المقام الأول. السبب في ذلك يعود إلى أن البشر كائنات ذكية جداً في التكيف، وقادرة على التحايل، لتحقيق المكاسب بأقل جهد، فبمجرد أن تخبر الموظف أو الطالب أو حتى عقلك الباطن، أن الوصول لهذا الرقم المحدد هو الغاية القصوى، سيبدأ الجميع تلقائياً في البحث عن أقصر الطرق وأسهلها، لتحقيق هذا الرقم، حتى لو كان ذلك يعني التضحية بالجودة، أو تشويه الحقيقة.
نحن نكرر هذه المأساة في حياتنا اليومية، بصور مختلفة، دون أن نشعر. عندما نجعل عدد الكتب المقروءة هدفنا الثقافي، فإننا نميل لا شعورياً إلى اختيار الكتب القصيرة والسهلة والسطحية، لزيادة العداد الرقمي في نهاية العام، ونبتعد عن الكتب العميقة التي تتطلب وقتاً وتأملاً، وبذلك نكون قد حققنا الرقم، وخسرنا الثقافة. وبالمثل، عندما نجعل الرقم الظاهر على الميزان هو هدفنا الصحي الأوحد، بدلاً من التركيز على الصحة العامة والنشاط، قد نلجأ إلى أساليب تجويع غير صحية، بدون استشارة المختصين، التي قد تضر بعضلاتنا ومناعتنا، أو تفقدنا السوائل، فقط، لنرى الرقم ينخفض ونشعر بنشوة الإنجاز الزائف، بينما جسدنا يزداد ضعفاً وهشاشة. الأمر ذاته يحدث في بيئات العمل، فحين يكون معيار التقييم هو عدد ساعات الوجود في المكتب، يتحول الموظفون إلى تماثيل، تجيد فن الحضور الجسدي دون إنتاجية حقيقية. هنا يصبح المقياس الذي تم وضعه لضبط العمل هو نفسه الأداة التي دمرت كفاءة العمل.
الدرس الذي يجب أن نستوعبه من «قانون جودهارت» هو ضرورة التمييز بين المؤشر وبين الغاية. النجاح الحقيقي يكمن في التركيز على الجوهر، وترك الأرقام، لتقوم بدورها الطبيعي كمجرد أدوات قياس محايدة متجردة، وليس اعتبارها كل شيء.
عندما يفسد المقياس الهدف
18 فبراير 2026 00:47 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 فبراير 00:47 2026
شارك