هل خفت يوماً من الاختلاف؟ هل ظننته بداية لأي خلاف؟
نخاف من الاختلاف كما لو كان شرخاً في الجدار، بينما هو في الحقيقة نافذة. نظنه بداية التصدع، مع أنه قد يكون أول ما يسمح للضوء بأن يدخل.
ليس كل اختلاف خلافاً، فبين الكلمتين مسافة شاسعة تشبه المسافة بين الثرى والثريا. الاختلاف أن ترى المشهد من ضفة أخرى، أن تلمس الفكرة بيد مختلفة، أن تقول: «أنا أراه هكذا» دون أن تنفي حق الآخر في أن يراه على نحو آخر. أما الخلاف، فلا يبدأ حين تتباين الآراء، بل حين تتحول الآراء إلى هويات، ويصبح النقاش دفاعاً عن الذات لا بحثاً عن المعنى.
العلاقات التي تتطابق تماماً، كمرآتين متقابلتين، لا تعكس شيئاً سوى الفراغ. التشابه المطلق سكون، والسكون الطويل موت مؤجل. في الحوار الحقيقي، لا يسعى أحد إلى كسر الآخر، بل إلى اكتشاف مساحة ثالثة، منطقة لا يملكها أي منهما وحده. هناك تولد الفكرة الأعمق، لا كتنازل، بل كاتساع.
لكن الطريق ينحرف حين تدخل الأنا متخفية في ثياب الرأي. حين لا نعود نصغي لنفهم، بل لنرد. حين نستحضر سجل الأخطاء بدل أن نبقى في لحظة النقاش. عندها يتحول الحوار من جسر إلى متراس، ومن محاولة لقاء إلى محاولة غلبة.
العلاقة الناضجة لا تقاس بعدد المرات التي اتفقنا فيها، بل بقدرتنا على أن نختلف دون أن نهدم ما بيننا، أن نترك للأفكار حرية التصادم، مع إبقاء القلوب خارج ساحة المعركة، أن ندرك أن الفهم لا يعني التراجع، وأن الاحترام لا يشترط التطابق.
الذين لا يختلفون كثيراً، لا يعرف بعضهم بعضاً حقاً، والذين يتقنون الاختلاف، هم وحدهم الذين يتقنون البقاء، لأن العلاقات لا يحفظها الاتفاق الدائم، بل ذلك الوعي النادر بأننا حين نختلف بصدق، لا نبتعد، بل نقترب بما يكفي لنرى إنسانية بعضنا كاملة.
علّمتني الحياة أن الخوف من الاختلاف ليس حرصاً على العلاقة كما نتوهم، بل علامة ارتباك فيها، إذ حين نخشى أن نقول ما نشعر به، نكون قد بدأنا ننسحب بصمت، ونترك التعلق يتصدر المشهد كحارس قلق ينتظر لحظة الرحيل. هناك، لا يكون الاتفاق دليل بقاء، بل هدنة هشة، ولا يصبح الصمت سلاماً، بل إنذاراً مؤجلاً، كأننا نقيم في علاقة نحبها، ونتهيأ في الوقت ذاته لقرار الإخلاء.
[email protected]