بعد عقود من الاعتماد على الحماية الأمريكية، وجدت أوروبا نفسها في مواجهة تحد استراتيجي يدفعها للمطالبة بالاعتماد على النفس، وسط حسابات معقدة محفوفة بحلم الاستقلالية الأوروبية والواقعية التي تشي بعدم نضج الظروف الموضوعية لتحقيق ذلك.
بين هذين الخيارين، لا تزال أوروبا تبحث عن كيفية تحقيق أمنها الذاتي، في ظل المتغيرات العالمية الراهنة، التي أنتجت ما تعتبره تهديدات مباشرة لها من جانب روسيا بعد الحرب الأوكرانية، والقوة الصينية الصاعدة اقتصادياً وعسكرياً، وفي ظل تنامي الشكوك في التزام واشنطن بالدفاع عنها، بعد مجيء إدارة ترامب الحالية، التي تضع المصالح الأمريكية فوق أي اعتبار.
فمن جانب، أدت الحرب الأوكرانية، ليس فقط إلى انكشاف الضعف الأوروبي في الدفاع عن أوكرانيا منفردة وبمعزل عن الولايات المتحدة، وإنما إلى انحسار الدور الأوروبي العالمي، وقدرتها على التعامل مع القضايا العالمية الأخرى. ومن جانب آخر، أدت طموحات الإدارة الأمريكية في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، والحرب التجارية، إلى خلخلة التحالف الغربي على ضفتي الأطلسي، ووضعت علامات استفهام كبرى حول مستقبل حلف «الناتو»، وإلى ارتباك العلاقات داخل أعضاء الاتحاد الأوروبي نفسه. هذا الارتباك بدا واضحاً تماماً في محاولات بعض الدول المهمة في الاتحاد مثل فرنسا، إلى جانب بريطانيا، تطبيع العلاقات مع الصين، وحتى التفكير في إعادة فتح قنوات الحوار مع روسيا.
لكن الأهم هو ارتفاع نبرة الأصوات الداعية إلى اعتماد أوروبا على نفسها، وتشكيل «رادع نووي أوروبي»، خصوصاً من جانب فرنسا وألمانيا، بغض النظر عن التزام واشنطن من عدمه في توفير مظلة نووية أمريكية لحماية أوروبا. وهو ما عبرت عنه المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر الأمن الأخير في ميونيخ، حينما أكدت أن ثمة إجماعاً أوروبياً على أن الأمن الأوروبي بات مسؤولية أوروبية، بغض النظر عن التطمينات الأمريكية التي عبّر عنها وزير الخارجية مارك روبيو.
لكن فون دير لاين لا يبدو أنها كانت دقيقة في استخلاصها، إذ إن حلم الاستقلالية الدفاعية الأوروبية لا يزال يصطدم بالخلافات الأوروبية نفسها، فالأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته يقول إنه لا يتصور أن تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها بمعزل عن الولايات المتحدة. كما أن المشاريع الأوروبية لتطوير القدرات المشتركة، خصوصاً بين فرنسا وألمانيا وإسبانيا لا تزال متعثرة، بسبب خلافات بشأن توزيع الأدوار بين الشركات المشاركة. وبينما تتمسك فرنسا، وهي العضو الوحيد في الاتحاد الذي يملك استقلالية نووية، بتطوير المشروعات بقدرات أوروبية خالصة، تبدو دول مثل ألمانيا وهولندا أكثر انفتاحاً على مشاركة شركات من خارج الاتحاد.
وسط كل هذه التجاذبات، تبدو أوروبا أمام مفترق استراتيجي، فإما أن تتمكن من بناء استقلال دفاعي حقيقي، وإما الاكتفاء بخطاب سياسي قد لا يتمكن من الصمود أمام الأزمات المقبلة.
أوروبا والتحدي الأمني
19 فبراير 2026 01:10 صباحًا
|
آخر تحديث:
19 فبراير 01:10 2026
شارك