يحيى زكي
ننتقد كثيراً دخول الذكاء الاصطناعي على خط الإبداع، وذلك في مختلف المجالات، فهناك تخوفات من أن يستخدم من يملك موهبة ذلك الذكاء في إبداع أدبي وفني، وهو الأمر الذي أكدته بعض الحوادث خلال السنوات القليلة الماضية، ولذلك اقترح البعض تأسيس معايير لكشف ذلك الزيف أو الغش، بل وطالبوا بتأسيس ما يشبه شرطة خاصة بالذكاء الاصطناعي، بينما لم يجد البعض أي مانع في توظيف تلك التقنية في الإبداع البشري ولكن بضوابط تحدد حجم الجزء الفردي والجزء التقني في العمل الإبداعي، وهناك فريق ثالث امتلك جرأة وشجاعة واعترف أن ما أنتجه هو صنيعة التقنيات فائقة الحداثة.
ونادراً ما يلتفت أحد إلى الأسئلة الأخلاقية التي يهرب منها من يستخدمون الذكاء الاصطناعي، فكيف مثلاً نأمن أحد الأساتذة الجامعيين على تعليم الشباب، وهو قد اعتمد في أبحاثه العلمية وترقياته الوظيفية على أبحاث قام بها الذكاء الاصطناعي، وما هي القيم التي يستطيع أن ينقلها فنان أو أديب إلى الجمهور، وهو في الحقيقة يخلو من أية موهبة، وربما يراه الكثيرون ليس أكثر من لص، ولديهم الحق.
بدأت الصين تجربة مختلفة، ففي خبر لافت قرأنا عن أحد الباحثين الذي تقدم لنقاش رسالة للحصول على درجة الدكتوراه، لم يكن يحمل أية أوراق، بل مجرد مكعبات تشبه لعبة «الليغو» وتستخدم في بناء الجسور، وبدأ يشرح مشروعه أمام لجنة مكونة من محكمين منوط بهم منحه الدرجة العلمية، هذا التوجه هناك بدأ في عام 2024 بعد أن رفضت مجلات علمية عالمية مُحكّمة عشرات الأبحاث الصينية لأن هناك من كتبها لأصحابها، وهي ظاهرة متضخمة في الصين تعرف ب«السوق السوداء للكتابة» تقوم عليها شركات متخصصة، وهي بالمناسبة موجودة في العالم العربي، وإذا بحثنا على الشبكة فسنعثر على مواقع تقوم بإعداد الأبحاث العلمية من الألف إلى الياء لمن يدفع.
هنا بالإمكان الخروج بملاحظات عدة، الأولى أن سوق «كاتب الظل» متضخمة، حتى قبل الذكاء الاصطناعي، كل ما فعله هذا الأخير أنه جعل ظاهرة السرقات أو الاعتماد على الآخرين وتوظيفهم أكثر بروزاً وفجاجة. الملاحظة الثانية أنه إذا كانت الصين قد استطاعت مواجهة هذه الظاهرة في مجالات علمية تطبيقية، فكيف يمكن محاربتها في الحقول الإبداعية الملتبسة والتي يصعب التمييز فيها بين المبدع الحقيقي والزائف.
الملاحظة الثالثة وهي الأهم، وتتمثل في سؤال محير لماذا يشهد عصرنا هذا التهافت على الدرجات العلمية والكتابة والإبداع الأدبي والفني؟ لم تكن الأمور على هذا النحو في الماضي، هل المسألة ديموغرافية، بمعنى أن هناك حالة نمو طبيعي في الطلب على الكتابة نظراً لزيادة عدد السكان، أم يعود الأمر إلى عوامل نفسية واجتماعية أخرى تدفع البعض ممن لا يملكون القدرة أو الموهبة إلى الدخول في هذا المجال؟ هل صورت مواقع التواصل لبعض البشر أن الإبداع والدرجات العلمية أشياء بسيطة يمكن الحصول عليها بمنتهى السهولة، لا تختلف كثيراً عن فكرة التسوق، وهو توجه يخفي دلالات سلبية لا تحترم العلم والإبداع معاً.