في هذا العصر يسيطر علينا شعور بأن القديم لم يعد مفيداً، وننظر إلى الإجراءات أو القوانين أو التقاليد، وكأنها تعيق حركتنا السريعة، ونحكم عليها فوراً بأنها غير مناسبة، أو عوائق تجب إزالتها لتمهيد الطريق للمستقبل. هذا الشعور ازداد مع دخول الذكاء الاصطناعي، لكن في وسط هذه التطورات، غالباً ما نقع في فخ كارثي يكلفنا الكثير، فخ حذرنا منه الكاتب والمفكر الإنجليزي جي كيه تشيسترتون، قبل قرابة المئة عام بمبدأ ذهني عبقري يعرف اليوم ب «سياج تشيسترتون».
تخيل المشهد التالي كما صاغه تشيسترتون: «في مسألة إصلاح الأشياء، هناك مبدأ واحد بسيط وواضح... لنفترض، للتبسيط، أن هناك سياجاً أو بوابة نصبت عبر طريق ما. يأتي المصلح الحديث مبتهجاً ويقول: أنا لا أرى أي فائدة من هذا السياج، دعونا نزيله فوراً، فيجيبه المصلح الأكثر ذكاء وحكمة: إذا كنت لا ترى أي فائدة له، فأنا بالتأكيد لن أسمح لك بإزالته. اذهب بعيداً وفكر. وعندما تعود وتخبرني أنك تدرك الفائدة التي وُضع لأجلها، عندها فقط.. قد أسمح لك بتدميره».
قد تبدو هذه النصيحة متناقضة للوهلة الأولى، كيف يجب أن أعرف فائدة شيء ما لكي أدمره؟ أليس المنطق أن أدمره لأنه بلا فائدة؟ العمق في هذا المبدأ يكمن في فكرة التواضع المعرفي. يفترض تشيسترتون أن الأشياء مثل: القوانين، الأسوار، العادات، لم تنشأ من العدم، ولم يضعها أشخاص مجانين بلا سبب، بل وضعت لأنهم مروا بتجارب معينة أخبرتهم أن هذا الخيار الصحيح، ولمواجهة مشكلة حقيقية كانت موجودة في ذلك الوقت. كونك لا ترى «المشكلة» الآن، لا يعني أنها اختفت، بل قد يعني أن «السياج» يقوم بعمله ببراعة في حجبها عنك.
في عالم اليوم، نرى مديراً جديداً يلغي تقريراً مملاً يكتبه الموظفون يومياً بحجة «تسهيل العمل»، ليكتشف بعد عام أن هذا التقرير كان الوثيقة الوحيدة التي تحمي الشركة من غرامات قانونية عند المراجعة الداخلية. أو شاب يتوقف عن الزيارات العائلية بداعي الانشغال والاستقلالية، ليكتشف عند أول أزمة نفسية أو مالية أن تلك الزيارة كانت الرابط الوحيد الذي يضمن له شبكة أمان اجتماعي عند السقوط. إن التغيير الحقيقي والآمن لا يأتي من افتراض انخفاض جودة العمل السابقة، بل من احترام التجربة السابقة وفهم الدوافع الخفية التي شكلت الواقع الحالي.
الدرس المستفاد من «سياج تشيسترتون» ليس رفض التغيير، بل هو للتغيير الواعي. قبل أن تضغط زر الحذف، أو تلغي القسم، أو تهدم العادة، اسأل نفسك بجدية: لماذا وضع هذا هنا في المقام الأول؟ ابحث عن السبب الخفي، إذا وجدت السبب، واقتنعت أنه زال تماماً أو أن لديك حلاً أفضل منه، حينها فقط يمكنك هدم الجدار وأنت مرتاح البال. أما إذا هدمته وأنت تجهل وظيفته، فأنت لا تصلح، بل تقامر بمستقبل لا تدرك تعقيداته.
لا تهدم الجدار
20 فبراير 2026 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 فبراير 00:03 2026
شارك