هل شعرت يوماً بالإرهاق الشديد وأنت تحاول تصحيح معلومة مغلوطة انتشرت بين زملائك في العمل، أو وسط محيطك الاجتماعي؟ غالباً ما تبدأ القصة بعبارة بسيطة، أو شائعة لا أساس لها، أو فكرة غير مدروسة يطلقها شخص ما دون أي جهد يذكر، ولكن، لكي تقوم أنت بالرد عليها وتفنيدها، تجد نفسك مطالباً بتقديم الأدلة، والبحث في المصادر، وصياغة الرد المنطقي، في عملية تستنزف طاقتك ووقتك بشكل لا يتناسب أبداً مع سهولة إطلاق الكذبة الأولى.
هذا الشعور بالعجز ليس وهماً، بل قانون كوني يحكم تفاعلاتنا البشرية، ويعرف عالمياً بقانون براندوليني أو مبدأ عدم تماثل التضليل. ينص هذا القانون على أمر صادم في واقعيته، وهو أن كمية الطاقة اللازمة لمحاربة المعلومات المضللة تفوق بكثير جداً الطاقة اللازمة لإنتاجها. إنها معادلة غير عادلة تضع الحقيقة دائماً في موقف الدفاع، فالطرف الذي يطلق الفوضى لا يحتاج إلى أكثر من ثانية واحدة وخيال واسع، بينما الطرف الذي يحمي النظام ويحمي الحقيقة، يحتاج إلى ساعات من العمل الممنهج والتدقيق.
يشبه الأمر معركة بين شخص يحاول بناء برج من المكعبات بدقة وهدوء، وشخص آخر يقف بجانبه مهمته فقط أن يركل البرج بقدمه، الهدم هنا لا يكلف الطرف الثاني سوى أن يركل، بينما البناء يكلف موارد وجهداً هائلاً.
أثبت العلم الحديث صحة هذا القانون بالأرقام من خلال دراسة ضخمة ومهمة جداً أجراها باحثون من خلال مبادرة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا للاقتصاد الرقمي، إذ قاموا بتحليل شامل لانتشار الأخبار على «تويتر» من عام 2006 إلى 2017. النتائج كانت مذهلة وتدعم قانون براندوليني بشكل مرعب، فقد وجد الباحثون وفقاً للدراسة: «الزيف انتشر بشكل أبعد، وأسرع، وأعمق، وأوسع نطاقاً بشكل ملحوظ من الحقيقة في جميع الفئات». ولم يكن الفارق بسيطاً، بل وجدوا أيضا التالي: «الأخبار الكاذبة كانت أكثر عرضة لإعادة التغريد بنسبة 70% مقارنة بالأخبار الحقيقية»، ما يؤكد أن التيار الذي تسبح ضده عند الدفاع عن الحقيقة هو تيار جارف وقوي جداً. ومن المثير للاهتمام في هذه الدراسة أن البشر وليس الخوارزميات، هم المسؤولون الرئيسيون عن الانتشار الدرامي للأخبار الكاذبة.
الحكمة التي يجب أن نخرج بها من فهمنا لقانون براندوليني وهذه الدراسات الدقيقة، هي ضرورة تطوير مناعة نفسية ضد هذا الشلال الجارف من الشائعات، أنت ليس عليك أن تربح كل نقاش، ولا أن تثبت خطأ كل شخص. الحل يكمن في التجاهل الاستراتيجي، أن تختار معاركك بعناية فائقة، فترد فقط حين يكون للصمت تكلفة باهظة، وتترك ما عدا ذلك من ضجيج يمر بسلام لكيلا تكون جسراً يمرر هذه الشائعات.
[email protected]