البعض خلال رحلته الحياتية يبني قناعاته على فكرة مفادها أن السعادة محطة نصل إليها عبر سلسلة من الإنجازات المحددة، مثل الحصول على تلك الترقية المهنية، أو شراء ذلك المنزل المذهل، أو الوصول إلى مستوى مادي معين، وأن مثل هذه المنجزات ستنقلهم فجأة إلى حالة من الرضا الدائم.
رغم ذلك، التجربة الإنسانية المدعومة بأبحاث علم النفس تكشف لنا عن حقائق عجيبة حيال هذا الموضوع، وهي أننا بمجرد وصولنا إلى ما كنا نعتقد أنه قمة الرضا، نجد أنفسنا بعد فترة وجيزة نعود إلى نقطة الصفر نفسياً، باحثين بشغف منهك عن هدف جديد نركض خلفه.
أحد ملخصات الكتب التي قرأتها كان عن كتاب قام بتأليفه عالم النفس جوناثان هايدت، الذي كان أحد العلماء الذين تناولوا هذه النظرية، حيث فكك هذه الآلية في كتابه «فرضية السعادة والبحث عن الحقيقة الحديثة في الحكمة القديمة»، فقدّم تحليلاً شاملاً يربط بين الفلسفات القديمة والاكتشافات الحديثة لعلم النفس الإيجابي وعلم الأعصاب.
استعرض هايدت في كتابه كيف فهم الحكماء الأوائل طبيعة العقل البشري، ووضّح أن محاولاتنا المستميتة لزيادة مستوى سعادتنا من خلال تغيير الظروف الخارجية والمادية غالباً ما تكون مسعى عقيماً يصطدم بحائط. وفي وصفه لهذه الحالة يقول هايدت: «جوهر هذا البحث هو أننا، في بعض الأحيان، ومن باب المفارقة، يمكننا السيطرة على أفكارنا من خلال عدم السيطرة عليها».
هذا الوصف يضعنا أمام حقيقة مجردة، وهي أن السعي المفرط ومحاولة التحكم الصارم في أفكارنا هما بحد ذاتهما فخ يبعدنا عن السلام الداخلي.
في النهاية، يتبين لنا أن كسر هذه الحلقة المفرغة لا يتم بزيادة سرعة الركض في هذه الحياة، بل بالجرأة على إيقاف هذه الظاهرة النفسية، والتأمل في اللحظة الحاضرة. يبدأ التحرر الفعلي بالقبول لطبيعتنا البشرية التي تتمايل ما بين الفرح والحزن، والتخلي عن الفكرة الطفولية المتمثلة في وجود نهاية سعيدة ثابتة تنتظرنا خلف كل محطة.
إن السكينة الحقيقية تتولد من ممارسة الامتنان العميق لما نمتلكه الآن، ومن إدراك أن المعنى الحقيقي للحياة لا يكمن في اللحظات العابرة من النشوة الاستهلاكية أو الانتصارات المؤقتة، بل في القدرة على إيجاد السلام الداخلي وسط ملل الأشياء العادية، والنزول من سقف التوقعات اللانهائي لتقدير ما نملكه، وليس ما لا نملك.
حلقة الركض اللانهائية
22 فبراير 2026 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 فبراير 00:03 2026
شارك