في واشنطن، المدينة التي تُكتب فيها السلطة بالحبر الدستوري قبل أن تُقال على المنابر، جاء حكم المحكمة الدستورية ليذكّر الجميع بأن الرئاسة في النظام الأمريكي ليست سماء مفتوحة، بل سقف محكوم بعوارض ثقيلة اسمها الفصل بين السلطات. لم يكن القرار نزاعاً قانونياً جافاً حول تفسير نص، بل لحظة سياسية كاشفة أعادت طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: من يملك حق تسعير بوابة السوق الأمريكية: الرئيس، أم المشرعون، أم النص الذي يعلو فوق الاثنين؟
ما حدث فعلياً أن المحكمة لم تُسقط رسوماً بقدر ما أسقطت تصوراً كاملاً للسلطة. التصور الذي حاول تحويل التعرفة الجمركية إلى أداة حكم يومية، وإلى لغة سياسية تُستخدم في الداخل بقدر ما تُستخدم في الخارج. طوال الفترة الماضية، بنى الرئيس سرديته الاقتصادية على فكرة أن الولايات المتحدة خُدعت طويلاً، وأن تصحيح الخلل لا يحتاج إلى مفاوضات معقدة بقدر ما يحتاج إلى قرار حاسم يصدر من البيت الأبيض. هكذا جرى توسيع قانون الطوارئ الاقتصادية - الذي وضع لمواجهة أزمات استثنائية - ليصبح منصة شبه دائمة لإعادة تشكيل العلاقات التجارية مع العالم.
رد فعل الرئيس الأمريكي كان متوقعاً لدرجة كبيرة، فتعامل مع الحكم بوصفه انتزاعاً لأداة حكم، لا تصحيحاً لمسار قانوني. لكن ترامب لن ييأس فاجتماعه مع حكام الولايات يعني أنه مدرك أن المعركة في المحكمة تكسب بالنصوص، أما في السياسة فتكسب بالضغط، والرجل خبير في تحويل المعارك إلى القواعد الشعبية، الحلقة القادمة من المسلسل ستحمل مشاهد متوقعة، كتحويل النزاع من «تجاوز دستوري إلى صراع بين النخب الفيدرالية والاقتصاد المحلي»، واللبنة الأولى حققها في اجتماعه بمحاولة استمالة الولايات الصناعية أو ما تعرف بولايات الصدأ لحماية وظائفها. الاستئناف لن يستخدمه ترامب كدفاع، بل كتصعيد وتسييس، سيشكك في حق المحاكم بتقييد صلاحياته في الاقتصاد الخارجي، سيروج بأن المحكمة تضعف الولايات في مواجهة المنافسين، سيحاول إحداث التفاف تنفيذي عن طريق إبقاء الرسوم عبر أدوات تنظيمية أو قيود غير جمركية، بمعنى آخر نقلها من التعرفة إلى التنظيم الصناعي. وأكثر ما يؤذي ترامب اليوم ليس استعادة رسم جمركي، بل استعادة فكرة الرئاسة الاقتصادية القوية.
الرابح الأول من هذا التحول هو المؤسسة التشريعية التي استعادت دورها كلاعب رئيسي في رسم السياسة التجارية. أما الرابح الثاني فهو الاقتصاد الأمريكي نفسه، الذي عانى حالة عدم يقين غير مسبوقة. الأسواق لا تخشى الرسوم بقدر ما تخشى قابليتها للتغير المفاجئ، والاستثمار لا يتراجع بسبب كلفة محددة، بل بسبب غياب القاعدة المستقرة. حين تتحول التعرفة إلى احتمال يومي مرتبط بخطاب سياسي، يصبح التخطيط الاقتصادي مغامرة. الحكم أعاد شيئاً من اليقين إلى هذه المعادلة.
في الخارج، قرأ الحلفاء القرار كإشارة إلى أن واشنطن ما زالت قادرة على كبح اندفاعها الداخلي. خلال السنوات الماضية، وجدت دول أوروبية وآسيوية نفسها في موقع الشريك الأمني والخصم التجاري في آن واحد، مع كل ما يحمله ذلك من تناقض يصعب تفسيره لشعوبها. الآن، ثمة عودة إلى فكرة أن السياسة التجارية الأمريكية تمر عبر مؤسسات يمكن التنبؤ بسلوكها، لا عبر قرار منفرد قد يصدر تحت عنوان فضفاض مثل«الخطر على الأمن القومي».
أما الخصوم، وعلى رأسهم الصين، فلن يروا في الحكم نهاية المواجهة، بل تحولاً في أدواتها. فالصراع الاقتصادي سيتحول نحو التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والاستثمار الاستراتيجي.
اقتصادياً، قد لا يشعر المستهلك الأمريكي بتغيير فوري في الأسعار، لأن سلاسل التوريد والعقود لا تتبدل بين ليلة وضحاها. لكن الأثر الحقيقي يقع في العمق: في مناخ الاستثمار، في حسابات الشركات، وفي درجة الثقة بأن القواعد لن تتغير بقرار مفاجئ. القضاء هنا لم يخفض سعر سلعة، بل أعاد تعريف من يملك الحق في التأثير عليها.
لهذا يمكن قراءة الحكم بوصفه أكثر من محطة قانونية، إنه فصل جديد في العلاقة المتوترة بين الشعبوية والمؤسسات داخل الولايات المتحدة. لقد دفعت الترامبية النظام إلى أقصى حدوده، محاولة اختبار مدى قابليته لإعادة تشكيل قواعده من الداخل. فجاء الرد من داخل النظام نفسه، لا لإلغاء السياسة، بل لإعادتها إلى مسارها المؤسسي.
في النهاية، لا يقول هذا الحكم إن الرئاسة ضعفت، ولا إن الشعبوية انتهت. ما يقوله ببساطة إن النظام الأمريكي، بكل ما يعتريه من انقسام، ما زال يملك آلياته الخاصة لتصحيح المسار حين يختل التوازن. الرئيس يبقى فاعلاً قوياً، لكنه ليس الفاعل الوحيد.
ولا بد أن يتمتع حماة الدستور بنفس طويل، وحنكة عالية، لأن من يُمنطق السياسة بالصفقات لن يُسلم بسهولة لمنطق القيود.
يبقى الرهان الأكبر على صلابة الفكرة الأمريكية ذاتها: فكرة أن الدستور، لا الساسة، هو من يملك الكلمة الأخيرة، ومهما انجرفت السياسة فالقرار قادر على ربط جموح الأفراد والمؤسسات.

[email protected]