أحياناً أفتح خزائن البيت فأجد أشياء تراكمت عبر السنوات: ملابس لم أعد أرتديها، هدايا نسيت قصتها، وأغراض اشتريتها في لحظة حماسة ثم لم أعد ألمسها. أنظر إليها وأسأل نفسي: كم من الوقت والطاقة والقلق صرفتُ لأمتلك كل هذا؟ وهل يجعلني ما أملكه اليوم أهدأ وأكثر رضا، أم أثقل حملاً، وأكثر خوفاً من الفقد؟
عندها أستعيد كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في كتابه العميق «علمتني الحياة»، من فصل: «أنا جيت للدنيا وأنا ما معي شي» حين يقول: «أتينا دون شيء، وسنذهب بدون شيء، في رحلة هي كالحلم.. تعلمت أن لا أثقل نفسي أثناء هذه الرحلة.. لا أثقل نفسي بالهموم.. لا أثقل نفسي بالقلق والمخاوف.. لا أثقل نفسي بالأمتعة الكثيرة.. لا أثقل نفسي بالتعلق بالأشياء».
هذه الجملة ليست تأملاً عابراً في المغزى من رحلتنا في هذه الدنيا فقط، بقدر ما هي وصف دقيق لطريقة في الحياة. أن نعيش بخفة القلب لا يعني أن نتخلى عن المسؤوليات. المال وسيلة، والبيوت والملابس والوظائف أدوات لها استخداماتها، وليست أكثر من ذلك، كلما تعلقنا بها أكثر مما تستحق، حملتنا أثقالاً نفسية: قلقاً من الخسارة، خوفاً من المقارنة، وشعوراً دائماً بأن ما عندنا لا يكفي.
ومع وسائل التواصل الاجتماعي تضاعف هذا الحمل. نحن نرى كل يوم استعراضاً للحظات الأجمل في حياة الآخرين: سفر، سيارات، قصور، موائد فخمة، وصور مدروسة بعناية. يصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذه الظاهرة، في كتابه بقوله: «أتأمل أحياناً في الثقافة التي انتشرت مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.. ثقافة الاستعراض، استعراض الأملاك والسيارات والقصور والرحلات والألبسة. عندما يتعلق الناس بهذه المظاهر الخادعة توقع أن يفتح عليهم باب الخوف والقلق والتعلق والاكتئاب وغيرها من التحديات والأمراض النفسية».
ما يبقى بعد أن نرحل ليس عدد الحقائب في خزائننا، بل عدد القلوب التي خففنا عنها، والفرص التي فتحناها لغيرنا، والذكريات الطيبة التي تركناها في نفوس من حولنا.
كل واحد منا يحتاج إلى أن يسأل نفسه كل فترة: ما الذي يثقل رحلتي؟ ما هي همومي الحقيقية، وأيها نابع من مقارنة واستعراض وتعلق بأشياء لا تصاحبنا إلى النهاية؟
أن نخفف أمتعتنا لا يعني أن نعيش أقل، بل أن نعيش أعمق، أن نختار الأمور ذات المعنى الأعظم، والأمور التي تصنع الفارق الحقيقي الذي سيبقى، حتى بعد أن نرحل.


[email protected]