في إطار حرص شرطة دبي على تعزيز البعد الإنساني في منظومة العدالة، تشهد المؤسسات العقابية والإصلاحية خلال شهر رمضان برامج ومبادرات متكاملة تهدف إلى تأهيل النزلاء ودمجهم في المجتمع، حيث يقضي بعض الأشخاص الشهر المبارك خلف أسوار المؤسسات العقابية والإصلاحية، نتيجة ارتكابهم جرائم، صدرت بحقهم أحكام بالسجن. ورغم افتقادهم للأجواء الأسرية التي تميّز هذا الشهر الفضيل، تحرص المؤسسات العقابية والإصلاحية في دبي على إدخال السرور إلى نفوسهم، وتعزيز قيم الإصلاح والتأهيل الإنساني.
أكد العميد صلاح جمعة بوعصيبة، مدير الإدارة العامة للمؤسسات العقابية والإصلاحية، أن شهر رمضان يشهد مبادرات إنسانية متكاملة، من بينها توفير تذاكر طيران مجانية للمسجونين الذين يفرج عنهم للعودة إلى أوطانهم الأم. فيما تُنظم للنزلاء داخل المؤسسات برامج دينية وثقافية ورياضية متنوعة.
وأوضح أن البرامج الرمضانية تشمل دورات تحفيظ القرآن الكريم، وبطولة كأس الإدارة للنزلاء، ودورات في التصوير الضوئي، والتصميم الثلاثي الأبعاد، والحاسب الآلي، واللغة العربية، ومبادرة نادي القراءة والبطولة الرمضانية، وغيرها من الأنشطة الهادفة.
تواصل مرئي
أشار بوعصيبة، إلى استمرار خدمة التواصل المرئي عن بُعد بين النزلاء وذويهم داخل الدولة وخارجها، خلال شهر رمضان، من التاسعة صباحاً وحتى الثانية عشرة ظهراً، خلال أوقات الدوام الرسمي، نظراً للنجاح الذي حققته الخدمة منذ إطلاقها.
وبيّن أن شرطة دبي وفّرت دعماً لوجستياً وتقنياً متكاملاً، لتمكين النزلاء والنزيلات من التواصل مع أسرهم عبر الأجهزة الإلكترونية، بالتعاون مع الإدارة العامة للذكاء الاصطناعي، حيث يقدّم طلب الزيارة إلكترونياً عبر تطبيق شرطة دبي، لتصل رسالة نصية إلى مقدم الطلب مرفقة برابط وتوقيت المكالمة المرئية، ويتم تنفيذها عبر الموقع الإلكتروني للقيادة العامة لشرطة دبي.
تخفيف الأحكام بحفظ القرآن
في إطار المبادرات التحفيزية، أوضح أن تخفيف الأحكام العقابية خلال رمضان، يشمل النزلاء الذين يحفظون القرآن الكريم أو أجزاء منه، إيماناً بدور القرآن في تقويم السلوك الإنساني، وتشجيعاً لهم على الاندماج الإيجابي في المجتمع.
وأضاف أن «جائزة دبي للقرآن الكريم»، أطلقت منذ عام 2002 فرعاً لتحفيظ القرآن في المؤسسات العقابية والإصلاحية، لغرس الوازع الديني في نفوس النزلاء، وجعل القرآن الكريم نقطة انطلاق للتغيير نحو الأفضل، باستثناء المحكوم عليهم بالإعدام أو القتل العمد أو الشريك فيه.

وأوضح أن شيوخ الجائزة يعقدون حلقات تحفيظ يومية للنزلاء من مختلف الجنسيات، مع توفير جلسات لتعليم اللغة العربية قراءة وكتابة لغير الناطقين بها، لتمكينهم من حفظ القرآن. لافتاً إلى أن عدداً من النزلاء يعتنقون الإسلام خلال سجنهم، ويغادرون وهم حافظون لأجزاء من القرآن الكريم.
تأهيل ديني ومهني
أكد أن قسم البرامج الدينية يضطلع بنشر الوعي الديني، عبر المحاضرات والندوات والدورات، وتطوير مهارات النزلاء في إلقاء الخطب، واستثمار فترة العقوبة بما يعود عليهم بالنفع.
كما أشار إلى دور قسم التدريب المهني في شغل أوقات فراغ النزلاء، وتأهيلهم مهنياً وحرفياً، عبر تنفيذ دورات متنوعة، من بينها:
الرسم والنقش والنحت على الصابون، خدمة العملاء، والإسعافات الأولية، وإطفاء الحرائق والإخلاء، أساسيات الرسم، وميكانيكا السيارات، والإلكترونيات، وميكانيكا المكائن البحرية.
أنشطة رياضية وترفيهية
أوضح أن قسم البرامج الرياضية ينظم مسابقات وأنشطة رياضية وترفيهية خلال رمضان وعلى مدار العام، وتوفير أجهزة استقبال فضائية لمتابعة البطولات المحلية والعربية والعالمية، وتنظيم مسابقات ثقافية وشعرية وأعمال مسرحية، بما يسهم في ملء فراغ النزلاء، وتعزيز روح التنافس الشريف، والحفاظ على لياقتهم البدنية.
وتُعد مكتبة المؤسسات العقابية والإصلاحية نافذة معرفية تربط النزلاء بالعالم الخارجي، باستعارة الكتب وتوفير الصحف اليومية، حيث تضم نحو 6 آلاف كتاب ب24 لغة، لتلبية احتياجات مختلف الجنسيات.
كما تنفذ المكتبة أنشطة لتعزيز اللغة العربية، بدورات في الخط العربي بالتعاون مع «قرية التراث»، ودورات في علوم المكتبات بالتعاون مع «مركز جمعة الماجد»، والاشتراك في مكتبة دبي العامة لاستعارة الكتب المتخصصة، خاصة كتب اللغة العربية، بما يسهم في رفع المستوى الثقافي والمعرفي للنزلاء.


برنامج حصاد
في إطار البرامج التي تنسجم مع قيم شهر رمضان، يبرز مشروع «حصاد» الزراعي كأحد النماذج الإنسانية الرائدة داخل المؤسسات العقابية والإصلاحية في دبي. ويُعد المشروع الأول في الدولة، ويأتي بتوجيهات الفريق عبدالله خليفة المري، القائد العام لشرطة دبي، ضمن رؤية تؤمن بأن رمضان فرصة حقيقية للإصلاح وبناء المستقبل.
ويقام المشروع على مساحة 9 آلاف و600 متر مربع، بعد إعداد دراسة متكاملة له، ليستفيد منه النزلاء المواطنون وغير المواطنين بعد الإفراج عنهم، على أن يكون جاهزاً للتشغيل خلال الأشهر الستة المقبلة.
ويتكوّن «حصاد» من 15 بيتاً زراعياً، تراوح مساحة البيت الواحد بين 8 و30 متراً بارتفاع 6 أمتار، وتُنفذ فيه عمليات الزراعة باستخدام أحدث الأساليب الحديثة. ومن المتوقع أن يصل إنتاجه إلى 56 طناً من المحاصيل الزراعية، مع تدريب 200 نزيل على مهارات الزراعة.
ويُعد من المشروعات الإنتاجية التي تجمع بين التأهيل والعمل المنتج، حيث يُخصص العائد المادي للنزلاء ولأسرهم بعد الإفراج عنهم، بما يسهم في تخفيف الأعباء المعيشية وتعزيز الاستقرار الأسري.
وأكد أن «حصاد» إحدى الأدوات الفاعلة في برامج التأهيل خلال رمضان، ويسهم في ترسيخ قيم الانضباط واحترام العمل، واستثمار مدة العقوبة فيما يعود بالنفع على النزيل والمجتمع، مع دعمه تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي للمؤسسات العقابية، والتوسع في مشروعات مماثلة مستقبلاً.
وأوضح أن من أهداف المشروع تعليم النزلاء مهنة الزراعة إحدى الحرف التطبيقية، وفتح الطريق أمام مشاريع صغيرة بعد الإفراج عنهم، إلى جانب مشروعات أخرى مثل النجارة والخياطة، في إطار رؤية متكاملة تعكس المعنى الحقيقي لرمضان شهر الإصلاح والبدايات الجديدة.