متى كانت آخر مرة جلست فيها مع نفسك في رمضان دون أن تقاطعك دعوة أو رسالة أو ترتيب لليلة قادمة؟
نخطط كل عام لرمضان هادئ، ثم ينتهي بنا الأمر إلى شهر مزدحم بنا، خالٍ منا!
تربينا على رمضان يشبه البيوت حين تتوضأ بالسكينة، أصوات التلاوة تتسلل من الغرف، رائحة الإفطار لا تُعلن شهوة الطعام بقدر ما تُذكّر بنعمة الاجتماع، وترعرعنا على شهر موسم المسلسلات والأزياء الرمضانية، حتى وصلنا اليوم إلى رمضان الذي يُدار كما تُدار المواعيد المؤجلة طوال العام. جدول ممتلئ بين إفطار و«غبقة» وسحور ولقاء، كأننا نحاول أن نلحق بالعالم قبل أن ينتهي الشهر، لا أن نلحق بأنفسنا. نصوم عن الطعام، نعم، لكننا نفطر على ضجيج متواصل من الحضور والالتزامات، حتى بتنا نخرج من اليوم مرهقين دون أن نعرف أين كنا نحن في كل هذا؟
كان رمضان، في جوهره، موعداً مع الخلوة، لا خلوة الجسد عن الناس، بل خلوة القلب عن التشتيت. لحظة يعيد فيها الإنسان قراءة ما مرّ به، ويتأمل الرسائل التي مرّت في حياته متخفية في هيئة مواقف، أو أشخاص، أو حتى خسارات. كان موسماً ينخفض فيه إيقاع العالم، ليعلو فيه صوت الداخل. أما الآن، فقد انعكس المشهد، ارتفع الضجيج حتى كاد يطغى على ذلك الصوت الخافت الذي لا يُسمع إلا في السكون.
كل زمن يعيد تفسير الشعائر بطريقته، وربما رمضان اليوم لا يكشف تغير الشهر بقدر ما يكشف تغيرنا نحن. نحن أبناء عصر يخاف البطء، يقلق من التأمل، ويستأنس بالامتلاء الخارجي، لأنه يهرب من فراغ الداخل. المعركة لم تعد من المسجد إلى المجلس، بل في غياب المعنى الذي يضبطها، ولم تعد العزلة أن تترك الناس، بل أن تترك الضجيج الذي استوطنك. قد تجلس بين كثيرين وأنت حاضر، وقد تجلس وحدك وأنت غارق في كل شيء إلا نفسك.
لا تزال الأيام الأولى تمضي، وما زال في الوقت متسع لأن نعيد ترتيب هذا الشهر كما ينبغي له أن يكون. أعطِ العائلة دفئها، والأصدقاء نصيبهم من الود، لكن اترك لك موعداً لا يشاركك فيه أحد، جلسة صادقة بينك وبين نفسك، وأخرى بينك وبين ربك، فالمواسم لا تتكرر بوعد منا، ونحن لا نعلم إن كُتب لنا أن نستقبل رمضان آخر.
آخر كلام
رمضان الذي غبنا عنه
25 فبراير 2026 00:32 صباحًا
|
آخر تحديث:
25 فبراير 00:32 2026
شارك